الايطالية كلوديا كاردينالي.

كلوديا كاردينالي… في ذاكرة السينماالكاتب رحيم الحلي

وُلدت كلوديا كاردينالي في 15 نيسان/ أبريل 1938 في تونس العاصمة، لأسرة إيطالية من أصول صقلية، ونشأت في فضاء متوسطي متعدد اللغات والثقافات، سيترك أثره العميق على شخصيتها وملامحها وحساسيتها الفنية. لم تدخل عالم السينما بدافع تخطيط مسبق أو طموح استعراضي، بل جاءت إليها عبر الصدفة حين فازت عام 1957 بلقب جمالي محلي مكّنها من زيارة مهرجان البندقية، حيث لفتت الأنظار بحضورها المختلف، لتبدأ رحلة طويلة مع الشاشة الكبيرة في زمن كانت فيه السينما الإيطالية في أوج ازدهارها.كان المنتج الإيطالي فرانكو كريستالدي أحد أبرز من آمنوا بموهبتها في بداياتها، فوقف وراء انطلاقتها المهنية، ومنحها أدواراً متدرجة سمحت لها بالنضج أمام الكاميرا بعيداً عن الاستهلاك السريع. منذ أفلامها الأولى بدت كاردينالي ممثلة لا تشبه الصورة النمطية للنجمة الجميلة ، صوتها الأجش، ونظرتها المتأملة، وهدوؤها الداخلي، جعلوا حضورها قائماً على الصدق أكثر من الإغواء، وعلى التعبير أكثر من الزينة.تجلّت مكانتها الفنية مبكراً مع تعاونها مع لوتشينو فيسكونتي في فيلم The Leopard (الفهد)، حيث أدّت دور أنجليكا، المرأة التي تختصر تحولات المجتمع الإيطالي بين أرستقراطية آفلة وبرجوازية صاعدة. هذا الدور رسّخها كممثلة قادرة على حمل الأبعاد الاجتماعية والتاريخية للشخصية. ثم جاء حضورها اللافت في فيلم 8½ (ثمانية ونصف) للمخرج فيديريكو فيلليني ، امرأة تسكن الخيال وتتحرك في منطقة رمزية بين الواقع والوهم، في واحد من أهم أفلام تاريخ السينما.غير أن دورها الأوسع انتشاراً عالمياً ظلّ في فيلم Once Upon a Time in the West (ذات مرة في الغرب) للمخرج سيرجيو ليوني ، حيث جسّدت امرأة تقف في قلب عالم ويسترن قاسٍ يهيمن عليه الرجال، لكنها تواجهه بالصبر والقوة الداخلية لا بالعنف. بهذا الدور منحت سينما الغرب بعداً إنسانياً جديداً، وأثبتت أن البطولة النسوية يمكن أن تُصاغ بالهدوء والعمق.إلى جانب ذلك، تنوّعت أعمالها بين السينما الإيطالية والفرنسية والأمريكية، فشاركت في أفلام مثل The Girl with a Suitcase (الفتاة ذات الحقيبة)، الذي كشف مبكراً عن حساسيتها الإنسانية، وThe Pink Panther (النمر الوردي)، وThe Professionals (المحترفون)، وصولاً إلى فيلم (1900) لبرناردو برتولوتشي، حيث شاركت في ملحمة تاريخية واسعة ترصد صراع الطبقات في إيطاليا. هذا التنوع لم يكن سعياً وراء الانتشار فقط، بل تعبيراً عن وعي فني وقدرة على العبور بين الثقافات دون فقدان الهوية.لم يكن نجاح كلوديا كاردينالي وليد جمالها وحده، بل ثمرة منظومة متكاملة ، منتج آمن بها، ومخرجون كبار رأوا فيها ممثلة حقيقية، وذكاء شخصي في اختيار الأدوار، جعلها توازن بين السينما الفنية والجماهيرية دون أن تقع في فخ الصورة الواحدة. عاشت سنوات طويلة بين إيطاليا وفرنسا، شاهدة على عصر ذهبي من تاريخ الفن السابع، وحاضرة بوصفها ذاكرة حيّة لسينما صُنعت بالصبر والرؤية والاختيار.كلوديا كاردينالي ليست مجرد اسم في أرشيف النجوم، بل مثال على أن الجمال حين يقترن بالوعي يصبح لغة فنية، وأن الممثلة التي تحترم زمنها تحيا في ذاكرة الأجيال، حتى وهي تبتعد بهدوء عن الأضواء.في الثالث والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2025، أُسدل الستار على حياة كلوديا كاردينالي بعد مسيرة امتدّت قرابة سبعة عقود، صنعت خلالها حضوراً لا يُختزل في الأدوار ولا في الصور. رحلت بهدوء، كما عاشت في سنواتها الأخيرة، تاركةً خلفها إرثاً سينمائياً يواصل الحياة على الشاشة، ويستعيده المشاهدون بوصفه جزءاً من ذاكرة زمنٍ كانت فيه السينما فعلاً إنسانياً عميقاً، لا مجرّد صناعة. غيابها لم يُطفئ حضورها، بل ثبّت صورتها كواحدة من تلك الوجوه النادرة التي لا تنتمي إلى زمنٍ واحد، بل إلى تاريخ السينما نفسه.

#سينما العالم

#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم