الالتقاء بين علم الأعصاب والفلسفة.

الخلايا العصبية المرآتية والألم: من الأسس العصبية للتعاطف إلى الأخلاق النفعية في فلسفة جون ستيوارت ميل… الالتقاء بين علم الأعصاب والفلسفةيُمثل التعاطف مع ألم الآخرين أحد أكثر التجارب الإنسانية إلحاحاً وغرابة في الوقت ذاته. فعندما نشاهد شخصاً يتألم، نشعر نحن أيضاً بألم مماثل، وإن كان بدرجة أقل. لطالما شكّل هذا الأمر لغزاً فلسفياً وأخلاقياً، لكن العلوم العصبية الحديثة بدأت تكشف النقاب عن آلياته البيولوجية من خلال اكتشاف نظام الخلايا العصبية المرآتية. في المقابل، تطورت الفلسفة الأخلاقية عبر التاريخ لتحاول تنظيم استجابتنا لهذا الألم المشترك، حيث تبلورت النفعية كإحدى أهم النظريات التي تحاول تحقيق أقصى سعادة وأقل معاناة لأكبر عدد من الناس. هذا المقال يربط بين هذين المحورين: الآلية العصبية التي تجعلنا نشعر بألم الآخرين، والتطور التاريخي للأخلاق النفعية التي تحثنا على التخفيف من هذا الألم، مع التركيز على مساهمة الفيلسوف جون ستيوارت ميل.الجزء الأول: الأسس العصبية للتعاطف مع الألمنظام الخلايا العصبية المرآتية: آلية الدماغ لفهم الآخريناكتُشفت الخلايا العصبية المرآتية أولاً في القشرة الحركية للقرود، حيث لوحظ أن نفس الخلايا العصبية تتنشط عند تنفيذ الفرد لحركة معينة وعند مشاهدته لقرد آخر ينفذ الحركة نفسها. في البشر، تطور هذا المفهوم ليشير إلى شبكة عصبية موزعة تشمل مناطق في الفص الجبهي السفلي والفص الجداري والحسية الحركية. هذه الشبكة لا تُنشط فقط لمحاكاة الأفعال، بل أيضاً لفهم النوايا والمشاعر.التجسيد العصبي لألم الآخرينكشفت دراسات التصوير العصبي، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، أن مشاهدة شخص يتألم تنشط مناطق في دماغ المشاهد تتداخل بشكل كبير مع المناطق التي تنشط عند تجربته للألم بنفسه. من أهم هذه المناطق:· القشرة الحزامية الأمامية المتوسطة (aMCC): منطقة حاسمة في إدراك الألم ومعرفته. أظهرت إحدى الدراسات نشاطاً أقوى بشكل خاص عند مشاهدة تعابير الألم الذاتية مقارنة بتعابير ألم الآخرين، مما يشير إلى علاقتها الوثيقة بالتجربة الشخصية.· الجزيرة الأمامية (AI): تشارك في المعالجة العاطفية والتوعي بالحالات الجسدية الداخلية.· الفص الجبهي السفلي (IFG): يُعتقد أنه يلعب دوراً في محاكاة الحالات العاطفية.هذا التداخل العصبي هو الأساس البيولوجي لما نسميه “التجسيد” أو “المحاكاة الجسدية” لألم الآخرين، حيث يقوم دماغنا بإعادة تمثيل التجربة المؤلمة التي يمر بها الشخص الآخر باستخدام الدوائر العصبية نفسها التي نستخدمها عندما نكون في موقف مماثل. هذا الاكتشاف يدعم النظرية القائلة بأن التعرف على المشاعر، بما في ذلك الألم، يعتمد على المحاكاة الداخلية للحالات الحركية والجسدية التي تُستثار بواسطة المنبهات العاطفية … مثال عندما تشاهد شخص ما تعرض للضرب على خصيتيه فإنك وبنفس اللحظة ستضع يدك على خصيتيك وتشعر بإحساس يكاد يكون مشابه لما شاهدته … الذات مقابل الآخر: نطاق التعاطفعلى الرغم من التداخل الكبير، فإن الدماغ يميز بين الألم الذاتي وألم الآخر. أظهرت الدراسات أن المشاهدة الذاتية لتعبيرات الألم (مشاهدة فيديو لنفسك وأنت تتألم) تثير استجابة عصبية أقوى في بعض المناطق، مثل القشرة الحزامية الأمامية المتوسطة، مقارنة بمشاهدة ألم الآخرين. هذا يشير إلى أن نظامنا العصبي مبرمج بيولوجياً لإعطاء أولوية للتجربة الذاتية، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستجابة لمحنة الآخرين. هذا التوازن بين “التعاطف الموجه للذات” و”التعاطف الموجه للآخر” هو ما يحول مجرد الشعور بالضيق إلى سلوك مساعد يراعي احتياجات الطرف الآخر.الجزء الثاني: التطور التاريخي للأخلاق النفعيةالبذور الأولى: ما قبل الفلسفة الكلاسيكيةظهرت أفكار نفعية بدائية في عدة حضارات قديمة:· في الصين القديمة: طور الفيلسوف موزي (حوالي 470-391 ق.م) نظرية تُعتبر “نفعية أولية”، ركزت على الامتناع عن التحيز وتعزيز المنفعة العامة وتقليل الأذى.· في الهند القديمة: اهتم الفيلسوف البوذي شانتيديفا (القرن الثامن الميلادي) بتخفيف معاناة جميع الكائنات الواعية وزيادة سعادتها.البدايات الحديثة: المنفعيون اللاهوتيون (القرن 18)قبل ظهور النفعية كفلسفة علمانية، بدأ بعض المفكرين البريطانيين في صياغة أفكار أخلاقية تعتمد على السعادة كمقياس، مع إرجاع مصدر الإلزام الأخلاقي إلى الإرادة الإلهية.· فرانسيس هاتشيسون (1694-1746): يُنسب إليه صياغة العبارة الشهيرة “أعظم سعادة لأعظم عدد”.· ويليام بالي (1743-1805): روج لنظرية مفادها أن واجب البشر هو تعزيز السعادة العامة لأن الله يريد سعادة خليقته.النفعية الكلاسيكية: جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميلجيريمي بنثام (1748-1832): المؤسس الكمييعتبر بنثام مؤسس النفعية الكلاسيكية المنظمة. اتسمت فلسفته بـ:· التركيز على الكم: اقترح “حساب اللذات”، حيث تُقاس الأفعال بمدى إنتاجها للّذة (الخير) والألم (الشر).· النظرية النفعية الفعلية: تقييم كل فعل بمقدار منفعته الخاصة.· الكونية والحياد: يجب حساب سعادة جميع المتأثرين بالفعل بشكل متساوٍ.جون ستيوارت ميل (1806-1873): التحول النوعي والتوفيق مع العدالةدفع ميل بالفلسفة النفعية إلى آفاق جديدة وأجاب على انتقادات أساسية واجهت بنثام.· التمييز بين درجات اللذة: اعترض ميل على معادلة بنثام الكمية البحتة بين اللذات. واشتهر بقوله: “كنت أفضّل أن أكون إنساناً غير راضٍ على أن أكون خنزيراً راضياً”. فقد ميّز بين لذات “أعلى” (فكرية وجمالية وأخلاقية) و لذات “أدنى” (جسدية وحسية)، حيث اعتبر لذة الطعام والجنس لذة دنيا… والفكر والموسيقى والرسم لذة عليا … أي أنه اعتبر أن الأولى لها قيمة نوعية أكبر …· النفعية القائمة على القواعد: بينما ركز بنثام على تقييم الفعل الفردي، اقترح ميل أننا يجب أن نعيش وفق قواعد عامة، ثبت من التجربة أن اتباعها يؤدي إلى أكبر منفعة للمجتمع على المدى الطويل. هذا يجنبنا التبرير الخطأ لأفعال ظاهرها مفيد ولكنها تنتهك مبادئ أساسية.· إدخال مفهوم الحقوق والعدالة: هذا هو أهم إسهام ميل. واجه النفعية انتقاد بأنها قد تضحي بالفرد لصالح المجموع. رد ميل بأن العدالة هي جزء جوهري من المنفعة، لأن البشر لا يمكنهم تحقيق السعادة في مجتمع يفتقر إلى الأمان والإنصاف. · أكد على “المساواة الأساسية” بين البشر في حقهم بالسعي للسعادة. · رأى أن مبادئ العدالة (مثل حماية الحقوق الشخصية، والنزاهة، والإنصاف) هي قواعد اجتماعية عالية الأهمية، لأن احترامها يخلق بيئة من الثقة والأمان، وهي شروط ضرورية لتحقيق السعادة على المدى الطويل. · انتقد النظام الاقتصادي والاجتماعي في عصره، داعياً إلى إصلاح قوانين الملكية والميراث لتحقيق مساواة فرص حقيقية، معتبراً أن الفقر المدقع وغياب فرص التقدم الشخصي هي حالات غير عادلة ولا تحقق المنفعة العامة.التطورات اللاحقة والتطبيقات المعاصرةتطورت النفعية بعد ميل إلى عدة اتجاهات، منها النفعية المثالية لهنري سيدجويك، والنفعية المثالية لجي. إي. مور، والنفعية الحديثة لفلاسفة مثل بيتر سينجر، الذي وسع نطاق الاهتمام الأخلاقي ليشمل جميع الكائنات الواعية، مما جعل فلسفته أداة فكرية مؤثرة في الحركات الداعمة لحقوق الحيوان والأخلاقيات البيولوجية والعمل الخيري العالمي.الخلاصة: من الخلايا المرآتية إلى الواجب الأخلاقييُظهر هذا المسار الفكري المزدوج كيف أن قدرتنا البيولوجية على الشعور بألم الآخرين، المتمثلة في نظام الخلايا العصبية المرآتية، تجد ترجمة أخلاقية وتنظيماً فلسفياً في مذهب النفعية. لقد بدأت النفعية كفكرة بسيطة عن تعظيم المتعة، ثم تطورت على يد جون ستيوارت ميل لتصير فلسفة أخلاقية مركبة تحترم كرامة الفرد وحقوقه ضمن السعي لتحقيق الخير العام. إن مشاهدة الألم وتجسيده عصبيّاً تُثير فينا ليس فقط شعوراً عاطفياً، بل تضعنا أيضاً أمام مسؤولية أخلاقية، تستدعي التفكير النفعي المتزن الذي دعا إليه ميل: التفكير الذي يزن العواقب، ويحترم الكرامة الإنسانية، ويسعى لخلق عالم تكون فيه المعاناة، التي نشارك في تجربتها بيولوجياً، أقل ما يمكن…. مصادر · للتعمق في علم الأعصاب: البحث الأكاديمي المنشور في دورية Frontiers in Psychology بعنوان “Pain Mirrors: Neural Correlates of Observing Self or Others…”.· للتعمق في الفلسفة: مدخل “The History of Utilitarianism” في موسوعة ستانفورد للفلسفة، والمقال الأكاديمي “Justice et utilité chez John Stuart Mill” الذي يناقش عدالة ميل بالتفصيل …. # الفيزياء والكون # مجلة ليليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم