فيلم (معركة تلو اخرى) واللحظة الأمريكية الراهنة حين شاهدت فيلم One Battle After Another للمرة الثانية شعرت أنني لا أشاهد فيلماً سياسياً عادياً، بل نصاً سينمائياً يحاول أن يقرأ القلق الأمريكي المعاصر. لقد كان الفيلم بالنسبة لي مجرد حكاية درامية، في مشاهدته الاولى التي سبقت إعلان فوزه امس بعدة جوائز أوسكار وكالعادة فإننا نعاود مشاهدة الفيلم. بعيون اخرى أوسّع تحديقا حين يفوز بجوائز مهمة كالاوسكار ! وفي ظروف سياسية ودولية متوترة. كانت المشاهدة المتأنية الثانية هي محاولة لفهم بلدٍ يعيش سلسلة متصلة من الصراعات، كأن تاريخه كله معركة تتلوها معركة.الفيلم من إخراج Paul Thomas Anderson، وهو مستلهم من الرواية الموسومة Vineland. المؤلف توماس بينثونفي مركز القصة يقف بطل أنهكته الأيديولوجيا، يؤديه Leonardo DiCaprio، وهو ثائر يساري سابق من جيل الثورات الراديكالية في السبعينات يحاول أن يعيش حياة هادئة بعد سنوات من العمل الثوري المرهق .. لكن الماضي، كما يبدو، لا يتركه وشأنه. حين تختفي ابنته الخلاسية فيجد نفسه مضطراً إلى العودة إلى ذلك العالم الذي ظن أنه غادره نهائياً.رحلته للبحث عنها تتحول تدريجياً إلى رحلة في ذاكرة أمريكا السياسية. في السياق تظهر شخصيات تمثل أطراف الصراع: ضابط يميني متشدد يجسده Sean Penn، ورجل غامض بملامح الحكمة الساخرة يؤديه Benicio del Toro، إضافة إلى شخصيات أخرى تستحضر زمن الحركات الاحتجاجية في السبعينيات. وهكذا لا يصبح البحث عن الابنة مجرد حبكة درامية، بقدر ماهو حكاية عن جيلٍ كامل ضاع بين الحلم الثوري والواقع المحافظ.وأنا أتابع الفيلم بدا لي أنه يتحدث، بشكل غير مباشر، عن اللحظة السياسية التي تعيشها الولايات المتحدة اليوم. فخلف القصة الشخصية يلوح ظل الصعود المتزايد لليمين القومي والخطاب المناهض للهجرة، وهو الخطاب الذي تصاعد بقوة مع المشروع السياسي الذي كرسه دونالد ترامب فمنذ حملته الانتخابية الأولى ، حيث تحولت قضية الهجرة إلى محور مركزي في خطاب اليمين الأمريكي ومنها بناء الجدار على الحدود مع المكسيك، وتشديد سياسات اللجوء، وإعادة تعريف الهوية الوطنية بوصفها هوية مهددة.في هذا السياق يمكن قراءة الفيلم كاستعارة سياسية غير مباشرة. فالصراع بين اليسار القديم واليمين المحافظ، الذي تستحضره القصة، يشبه إلى حد بعيد الانقسام الأمريكي الراهن. فالبلد الذي بنى أسطورته على فكرة “أرض المهاجرين” يعيش اليوم جدلا حاداً حول الهوية والحدود والانتماء. والفيلم يلمح بذكاء إلى أن هذا التوتر ليس حادثة طارئة، بل نتيجة تاريخ طويل من الانقسامات الأمريكية.ربما لهذا السبب حظي الفيلم بكل هذا الاهتمام النقدي، وصولاً إلى تتويجه بعدة جوائز كبرى، بينها جوائز الأوسكار لأفضل فيلم، وأفضل إخراج لـ Paul Thomas Anderson، وأفضل سيناريو مقتبس، إضافة إلى أفضل ممثل مساعد لـ Sean Penn. ولا عرف لماذ حجبت الجائزة عن ليوناردو. دي كابريا رغم أداءه المبهر في هذا الفيلم لقد بدا وكأن هوليوود تكافئ فيلماً لا يكتفي بالترفيه، بل يحاول أن يطرح سؤالاً سياسياً وثقافياً عن معنى أمريكا اليوم.لكن القيمة الحقيقية للفيلم، في نظري، ليست في الجوائز بقدر ما هي في السؤال الذي يتركه في ذهن المشاهد: وهو ، هل تستطيع أمة ما أن تتخلص من صراعاتها القديمة؟بعد المشاهدة الثانية خرجت بانطباع بسيط ومقلق في آن واحد: مفاده ان التاريخ لا ينتهي. انه يغيّر وجوهه. ولهذا تظل هناك هناك على الدوام (معركة تتلو أخرى) كما يشير عنوان الفيلم# سينما العالم# مجلة ايليت فوتو ارت.


