الإدراك يفترض مسافة، والمسافة تفترض انفصالاً بالفن كنا بالحياة..

في الاتصال والانفصال لعلل الوجود، في أصلِه، ..

لم يكن منقسماً كما يبدو لنا الآن، بل كان في حالٍ من الاتصال لا تسمح بالتمييز. لم يكن هناك ما يُفصل بين الأشياء، لأن الأشياء نفسها لم تكن قد تمايزت بعد، ولم يكن ثمة فرق يمكن أن يُدرك. يمكن تخيّل تلك الحالة بوصفها أقرب إلى سديم، لا بوصفه مادة، بل كحالة للوعي قبل أن ينفصل إلى ذاتٍ ترى وموضوعٍ يُرى، حيث لا حدود ولا تسميات، ولا مسافة تتيح للشيء أن يظهر بوصفه شيئاً.في تلك الحال، لا يكون العالم غامضاً، بل مبهماً، لابل غير قابل للإدراك أصلاً، لأن الإدراك يفترض مسافة، والمسافة تفترض انفصالاً. وما لا ينفصل لا يظهر، وما لا يظهر لا يُعرف. لم يكن هناك “عالم” بالمعنى الذي نعرفه، بل حالة يُعاش فيها دون أن تُرى، أو تُفصل، أو تُسمّى.حين حدث الانفصال، لم يكن ذلك سقوطاً محضاً، كما قد توحي بعض السرديات، بل كان، في وجهٍ آخر، شرطاً لظهور العالم. كان أشبه بانزياحٍ طفيف داخل ذلك السديم، انفتحت فيه أول مسافة، فاصلةً بين ما كان متصلاً دون أن يعرف نفسه. غير أن هذا الظهور، على ما يتيحه من إدراك، لا يخلو من مفارقة، إذ لعلّ ما لا يظهر، بما هو متصل ومكتفٍ بذاته، أكثر كمالاً مما يظهر. فالوحدة، في صمديتها، لا تحتاج إلى أن تُرى، ولا إلى أن تنفصل لكي تُعرف. ومع ذلك، فإن ما لا يظهر لا يُعاش، وما لا يُعاش لا يدخل في التجربة. وهكذا، لا يكون الانفصال نفياً للاتصال، بل انكشافاً له على نحوٍ ناقص، يتيح لنا أن نراه، وإن كان لا يعيده إلينا كاملاً. عندها فقط صار بالإمكان أن ينفصل الضوء عن الظلام، والذات عن الموضوع، والداخل عن الخارج. لم تتكوّن الأشياء بقدر ما تكوّنت الفروق بينها، وفي هذا التكوّن التدريجي للفروق تتشكّل “الأشكال” بوصفها سطح العالم المرئي، أي اللحظة التي تتصل فيها الفروق بحسّ الإدراك وتغدو قابلة للتجربة. فالأشكال ليست أشياء قائمة بذاتها، بل آثار هذا الانفصال حين يستقرّ ويصبح قابلاً للرؤية.ومنذ ذلك الحين، لم نعد نرى العالم بوصفه وحدة، بل بوصفه شبكة من الانفصالات التي تتيح لنا أن ندركه. نحن لا نرى الأشياء في ذاتها، بل نرى حدودها، أي المواضع التي تنفصل فيها عما سواها. وهنا يمكن القول إن “الأشكال” ليست سوى هذه الحدود حين تصبح مرئية ومتماسكة، لكنها في الوقت نفسه تخفي تحت استقرارها حركة الانفصال التي أنتجتها، كما لو أنها تستر في عمقها بقايا ذلك السديم الأول.بهذا المعنى، يمكن القول إن الانفصال لم يُنتج العالم، بل جعله قابلاً للرؤية. أما الاتصال، فظلّ كامناً، لا بوصفه غياباً، بل بوصفه ما يتوارى خلف كل ظهور، وما لا يمكن استعادته إلا حدساً.في التجربة الانطباعية، كما لدى كلود مونيه، يبدو العالم وكأنه على وشك أن يفقد حدوده. تتلاشى الخطوط، وتتقارب الكتل، وتندمج الأشياء في نسيج ضبابي يكاد يمحو الفروق بينها. هناك، لا نرى الأشياء بقدر ما نرى انطباعها العابر، كما لو أن العالم لم يكتمل انفصاله بعد، أو كما لو أنه يستعيد، للحظة، شيئاً من حال اتصاله الأولى، قبل أن تستقر “الأشكال” في صلابة حدودها.في مقابل ذلك، يقف بول سيزان بوصفه تأكيداً على الانفصال. فالعالم لديه لا يُترك للذوبان، بل يُعاد بناؤه عبر تثبيت الكتل وإحكام حدودها. كل شيء يستعيد ثقله واستقلاله، وتغدو الأشياء منفصلة بوضوح عمّا يحيط بها، كما لو أن الرؤية هنا لا تكتمل إلا عبر ترسيخ الفروق التي تجعلها ممكنة.غير أن ثمة اتجاهاً لاحقاً ذهب أبعد من هذا التوتر نفسه، لا إلى ترجيح أحد حدّيه، بل إلى مساءلة فكرة “الشكل” من أساسها، وهو ما عُرف بما يُسمّى “الفن اللاشكلي”. ففي هذا السياق، لا يعود الأمر متعلقاً بحدود واضحة أو ذوبانها، بل بحالة أقرب إلى ما قبل استقرار الشكل ذاته، حيث لا يمكن القول بوجود شكل مكتمل، ولا بانعدامه في الوقت نفسه.إن ما يُدعى باللاشكلي لا يمكن فهمه بوصفه نفياً للشكل، لأن نفي الشكل بالكامل يعني الوقوع في العدم، وهو ما لا يتحقق في التجربة البصرية. فكل ما يظهر، إنما يظهر بوصفه شكلاً ما، حتى وإن كان في طوره الأولي أو غير المستقر. من هنا، يغدو الأدق أن نفهم اللاشكلية بوصفها اشتغالاً في منطقة ما قبل الشكل، أي حيث لم يبلغ التمايز درجة كافية تتيح تثبيت هيئة قابلة للقراءة النهائية.في هذه المنطقة، لا يكون الشكل غائباً، بل مؤجلاً، ومفتوحاً على احتمالات قراءة بصرية متعددة. وهي الحالة التي تجعل العين تبحث دائماً عن نسق، حتى حين لا يُعطى لها بشكل مكتمل، كما في ظواهر الإدراك التي تدفعنا إلى رؤية أشكال فيما لا يُقصد به أن يكون شكلاً.وبين هذه المستويات، لا يكون الرسم اختياراً بين أسلوبين، بل تموضعاً داخل توتر دائم: بين عالم يذوب في اتصال، وعالم يتماسك في انفصال يتيح له أن يُرى عبر انتظام “الأشكال” واستقرارها المؤقت. فالفنان لا يبدأ من صورة جاهزة، بل من حالة أقرب إلى ذلك الارتباك الأول، حيث لم يستقرّ بعد ما يُرى عمّا يُرى به.الفنان لا يرسم ما يرى، بل يرسم مقدار الانفصال الذي يسمح لنفسه أن يراه به.من جهة أخرى، يبدو أن التجريد، في أحد أكثر تعريفاته إغراءً، يقدم بوصفه ولادة لطبيعة بصرية جديدة وخلقاً جذرياً للعالم داخل الصورة. غير أن هذا “الخلق”، على الرغم من قوته التصورية، لا يخرج فعلياً من شرطه الأساسي: شرط الانفصال.فالتجريد، مهما بلغ صفاؤه، لا يحقق اتصالاً مع ما يُفترض أنه الأصل أو الوحدة، بل يواصل العمل داخل فضاء التفكك ذاته، حيث لا أشياء تُستعاد، بل تُعاد صياغة العلاقات بينها في مستوى آخر من الإدراك. إنه لا يعود إلى ما قبل التمايز، إلى ذلك السديم الأول، بل يعيد تنظيم التمايز نفسه حتى يبلغ درجة قصوى من التخفف من المرجع، دون أن يغادره تماماً.بهذا المعنى، لا يكون التجريد عودة إلى وحدة مفقودة، بل تشديداً على الانفصال بوصفه شرط الرؤية. فكلما ازداد العمل التجريدي اقتراباً من “الفراغ”، لم يكن ذلك اقتراباً من عدم أو اتصال مطلق، بل اقتراباً من لحظة يصبح فيها الانفصال غير مرئي، بينما تواصل “الأشكال” عملها في العمق بوصفها علاقات خالصة لا أشياء.صور الاعمال المرفقة:١. كلود مونيه Claude Monet .٢. بول سيزان Paul Cézanne.٣. جان فوتورييه Jean Fautrier.٤. بير كيركبي Per Kirkeby.٥. شاكر حسن آل سعيد. من مجموعة الدكتور حسنين الابراهيمي.#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم