الأدائية الجندرية …جوديت بتلر

هل نولد رجالاً ونساءً بخصائص نفسية وسلوكية حتمية، أم أننا مجرد ممثلين على مسرح اجتماعي ضخم نؤدي أدواراً كُتبت لنا سلفاً؟

في أواخر الثمانينيات، زلزلت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر الأسس التي قامت عليها الحركة النسوية التقليدية، مطيحةً بفكرة “الطبيعة الأنثوية” عبر نظريتها الراديكالية حول “الأدائية الجندرية” (Gender Performativity).

تأسست الحركات النسوية الكلاسيكية (مثل النسوية ذات المركزية الأنثوية) على افتراض جوهري: هناك هوية مشتركة وجوهرية تجمع “النساء” قاطبة، استناداً إلى تجارب بيولوجية أو سيكولوجية أو اجتماعية متماثلة، كالأمومة والرعاية والاضطهاد. إلا أن جوديث بتلر، ومن منظور “ما بعد بنيوي” وما بعد حداثي، ترفض رفضاً قاطعاً هذا الافتراض. ترى بتلر أن مفهوم “المرأة” ليس حقيقة سابقة على المجتمع، بل هو وهم وتصنيف لغوي يتم إنتاجه باستمرار عبر آليات السلطة.

تطرح بتلر فكرتها المحورية: الجندر ليس ما “نكونه”، بل هو ما “نفعله”. إنه ليس هوية داخلية ثابتة تعبر عن نفسها، بل هو “أداء” (Performance) مكتسب ومستمر. نحن نتعلم كيف نمشي، وكيف نتحدث، وكيف نرتدي ملابسنا، وكيف نرغب، بناءً على نصوص اجتماعية صارمة تُملي علينا كيف يجب أن يكون الرجل أو المرأة. من خلال التكرار والمحاكاة المستمرة لهذه الأفعال، وتحت ضغط نظام من المكافآت والعقوبات (كالوصم أو الاستهجان لمن ينحرف عن المعيار)، يُخلق الوهم بأن هناك طبيعة جندرية أصيلة بداخلنا.

تشير نظرية بتلر إلى أن هذا الأداء الجندري مفروض علينا قسراً عبر ما تسميه “المنظومة الجنسانية الغيرية الإجبارية”. هذه المنظومة تفرض تقسيماً ثنائياً وحاداً للبشر (ذكر/أنثى) وتفترض أن الانجذاب نحو الجنس الآخر هو الوضع الطبيعي الأوحد، بهدف وحيد هو استدامة الهيمنة الذكورية. ولأن الجندر مجرد “أداء” وليس حقيقة بيولوجية، تؤكد بتلر أنه قابل للتخريب والتعطيل. إذا توقفنا عن أداء النص المكتوب، أو قمنا بمحاكاته بشكل ساخر ومربك يدمج بين الخصائص (مثل تداخل الأزياء)، فإننا نكشف عن هشاشة هذا النظام وزيف ادعاءاته الطبيعية، مما يفتح آفاقاً جديدة لحرية الأفراد متعددي الميول والهويات.

واجهت نظرية بتلر المربكة ردود فعل قلقة من داخل الحركات النسوية الراديكالية والماركسية، مثل تلك التي تمثلها عالمة الاجتماع دوروثي سميث وناشطات نسوية الاختلاف. يرى هذا التيار المناهض لـ “ما بعد الحداثة” أن تفكيك فكرة “المرأة” كفئة سياسية متماسكة يمثل خطراً استراتيجياً يهدد بنسف الحركة النسوية بأكملها. يجادل هؤلاء بأن تقليص الجندر إلى مجرد “ألعاب لغوية” وأداء مسرحي يتجاهل الواقع المادي القاسي الذي تعيشه النساء حقيقةً (كالاستغلال الاقتصادي، وحرمانهن من السلطة السياسية). بالنسبة لهم، التخلي عن فكرة “نحن النساء” يعني تجريد المظلومات من سلاح التضامن الجماعي الوحيد القادر على إحداث تغيير سياسي ومؤسسي حقيقي في مواجهة النظام الأبوي.

في المحصلة، نقلت جوديث بتلر النقاش من المطالبة بالمساواة بين فئتين ثابتتين، إلى تفخيخ وتفكيك الفئات ذاتها، مؤكدة أن الحرية الحقيقية لا تكمن في تحرير “المرأة”، بل في التحرر من التصنيفات الجندرية الخانقة التي تفرضها السلطة.

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم