بقلم: إيمان سيد عبدالله
في ظل الأوضاع الاقتصادية المتغيرة وارتفاع الأسعار بشكل متسارع، يعيش الأب اليوم واحدة من أصعب الفترات التي قد يمر بها داخل الأسرة، حيث تحوّلت مسؤولياته من دور تقليدي في توفير الاحتياجات الأساسية، إلى معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
لم يعد الأمر مقتصرًا على تأمين الطعام والشراب، بل أصبح الأب مطالبًا بمواجهة موجات متتالية من الغلاء، تمتد من أسعار السلع الغذائية إلى تكاليف التعليم والعلاج والسكن، في واقع اقتصادي تفرضه تحديات عالمية مثل التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، وهي كلها انعكاسات لما يعرف بـالتضخم الذي يلتهم الدخول ويُضعف القدرة الشرائية.
داخل هذا المشهد، يتحمل الأب ضغوطًا نفسية كبيرة، غالبًا ما تكون صامتة. فهو مطالب بأن يبدو قويًا، متماسكًا، قادرًا على تدبير الأمور، حتى وإن كانت الحسابات لا تتوازن، والموارد لا تكفي. وبين أرقام الفواتير ومتطلبات الأبناء، يجد نفسه عالقًا بين الرغبة في تلبية كل الاحتياجات، والواقع الذي يفرض عليه الاختيار والتقشف.
الأخطر من ذلك أن هذه الضغوط لا تقف عند الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية. فالتوتر الناتج عن الأعباء الاقتصادية قد ينعكس على الحالة النفسية للأب، ومن ثم على طريقة تعامله مع زوجته وأبنائه، ما قد يخلق فجوة عاطفية داخل الأسرة دون قصد. ومع مرور الوقت، قد يشعر الأب بالعجز أو التقصير، رغم أنه يبذل أقصى ما لديه.
وفي المقابل، كثيرًا ما يغيب التقدير الحقيقي لهذا الدور، حيث يُنظر إلى ما يقدمه الأب على أنه واجب فقط، دون الالتفات إلى حجم التضحيات اليومية التي يقدمها. فالأب لا يحمل فقط عبء الإنفاق، بل يحمل أيضًا همّ المستقبل، والخوف من العجز، والقلق من أي طارئ قد يهدد استقرار أسرته.
ومع ذلك، لا يزال الأب المصري نموذجًا للصمود، يحاول التكيف مع الظروف، ويبتكر حلولًا بسيطة لتجاوز الأزمات، من إعادة ترتيب الأولويات إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، في محاولة للحفاظ على تماسك الأسرة مهما كانت التحديات.
إن دعم الأب في هذه المرحلة لا يجب أن يكون ماديًا فقط، بل معنويًا أيضًا، من خلال التقدير، والمساندة، والتخفيف من الضغوط قدر الإمكان. فاستقرار الأسرة يبدأ من استقرار من يتحمل مسؤوليتها الأولى.
وفي النهاية، يبقى الأب في زمن الغلاء هو الجندي المجهول داخل كل بيت، يقاتل بصمت، ويخوض معركة لا تُرى، هدفها الوحيد أن تظل أسرته بخير، مهما كانت الظروف.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


