أحد الأصدقاء علق على صورة نشرتها منذ قليل، كاتبًا:
“في 1899 لم تكن هنالك شيئ اسمه سوريا”
والكثيرون يعتقدون مثله بأن سوريا كمنطقة جغرافية وإسم ودولة لم تعرف إلا بعد الفترة 1918-1920.
كتوضيح لهذا الموضوع المتكرر، أنشر التالي:
يعود أصل اسم سوريا وجذوره التاريخية إلى العصر الآشوري في الألفية الأولى قبل الميلاد كأقدم فترة موثقة لغوياً. استناداً إلى الدراسات التاريخية والأركيولوجية الرصينة الصادرة عن علماء اللغويات والمؤرخين (مثل المستشرق الألماني ثيودور نولدكه)، فإن الاسم مرّ بمراحل تطور لغوي وجغرافي محددة:
- الجذر اللغوي التاريخي الأقدم (القرن الثامن قبل الميلاد)
- الاشتقاق من “آشور” (Assyria): أثبتت المكتشفات الأثرية الحديثة، وأبرزها “نقش تشينكوي” (Çineköy inscription) المكتشف في تركيا (وهو نقش ثنائي اللغة بالهيروغليفية اللوفية واللغة الفينيقية يعود للقرن الثامن قبل الميلاد)، أن الكلمة اليونانية “سوريا” هي مخفف لفظي لاسم الإمبراطورية الآشورية (Akkadian: Aššur أو Aššūrāyu). انظر الصورتين (1 و 2)
- في اللغات الأناضولية القديمة (كاللوفية)، سقط حرف الألف الهمزة ليتحول اللفظ إلى “سورا” (Sura/i)، وهو اللفظ الذي اقتبسه اليونانيون لاحقاً.
- التطور اللفظي والجغرافي عند الإغريق والرومان
- العصر الهيلينستي (القرن الخامس إلى الثالث قبل الميلاد): استخدم المؤرخ اليوناني “هيرودوت” في القرن الخامس قبل الميلاد لفظ “سوريين” للإشارة إلى الشعوب الخاضعة للحكم الآشوري دون تمييز دقيق.
- عهد السلوقيين: بعد تفكك إمبراطورية الإسكندر المقدوني وتأسيس الدولة السلوقية في بلاد الشام، أطلق اليونانيون اسم “سوريا” (Syria) رسمياً على سائر مناطق الهلال الخصيب.
وعندما فقدوا السيطرة على أراضي بلاد الرافدين (شرقاً)، التصق الاسم تاريخياً بالقسم الغربي فقط (منطقة الشام الحالية)، بينما احتفظ الشرق باسم “آشور” أو بلاد الرافدين.
- الفرق بين اسم “سوريا” اللغوي وجغرافية المنطقة
- تاريخياً، عُرفت المنطقة في الأدبيات العربية الكلاسيكية والإسلامية باسم “بلاد الشام” (والتي تعني لغوياً جهة اليسار أو الشمال بالنسبة لسكان الحجاز).
- أما اسم “سوريا” كمصطلح سياسي وجغرافي وإداري حديث، فقد أُعيد إحياؤه رسمياً في العهد العثماني عند تأسيس “ولاية سوريا” عام 1865م، تلاها تبني الفكر القومي للاسم حتى إعلان الاستقلال وتأسيس الدولة الحديثة.
تجد هنا توثيقاً بصرياً وتاريخياً للنقوش التي رسخت أصل اسم “سوريا”، تليها أقدم المخططات والخرائط من العصرين الروماني والبيزنطي التي رسمت حدود مقاطعة سوريا الكبرى (بلاد الشام): (الصور المرفقة).
أولاً: نقوش الجذور التاريخية لاسم سوريا
يرتكز الإثبات العلمي لعودة اسم “سوريا” إلى الأصل الآشوري على نصب شينيكوي (Çineköy Inscription) المكتشف جنوب تركيا. وهو تمثال للإله “تارهونزا” يقف على عربة يجرها ثوران، وفي قاعدته نُقش النص ثنائي اللغة (الفينيقية واللوفية الهيروغليفية) من القرن الثامن قبل الميلاد. يظهر في النص بوضوح تبدّل لفظ “آشور” إلى “سوريا” عند الانتقال بين اللغتين. (الصورتين 1-2).
ثانياً: أقدم خريطتين لـ “سوريا الكبرى” (الرومانية والبيزنطية)
بناءً على التوثيق الجغرافي الكلاسيكي، تعتمد دراسة حدود “سوريا الكبرى” (Syria Coele / Syria Palaestina) على وثيقتين خارطيتين رئيسيتين:
- الخريطة الرومانية: خريطة بطليموس (القرن الثاني الميلادي):
تعتبر “الخريطة الآسيوية الرابعة” (Fourth Asian Map) المأخوذة من كتاب الجغرافيا لعالم الفلك والجغرافي “كلاوديوس بطليموس” أقدم تمثيل هندسي فلكي دقيق لحدود سوريا الطبيعية. المخطوطات المحفوظة للكتاب (مثل المحفوظة في المكتبة البريطانية) تُظهر المقاطعة ممتدة من البحر الأبيض المتوسط غرباً حتى نهر الفرات شرقاً، ومن جبال طوروس شمالاً حتى حدود شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة سيناء جنوباً. (الصورتين 3 و 4). - الخريطة البيزنطية: لوحة بوتينغر (Tabula Peutingeriana)
هي خريطة رومانية متأخرة/بيزنطية فريدة صُممت على شكل لفافة طويلة ممتدة لشرح شبكة الطرق العامة (Cursus Publicus) في الإمبراطورية. يعود أصلها لقرابة القرن الرابع الميلادي (العصر البيزنطي المبكر)، ويُظهر القسم التاسع (القسم 9) منها بوضوح مقاطعة سوريا ومُدنها الكبرى كأنطاكية (Antiochia)، أفاميا (Apamea)، وتدمر (Palmyra)، إضافة إلى شبكة الطرق الممتدة بينها عبر البادية السورية والشام. الصورتين (4 و 5)
ماذا سميت المدن السورية مثل دمشق، وحلب، واللاذقية في اقدم الخرائط ومن ضمنها هذه التي وضعت صورها هنا.
في أقدم الخرائط والمخطوطات الرومانية والبيزنطية (مثل خريطة بطليموس ولوحة بوتينغر)، سُجلت هذه المدن السورية الثلاث بأسماء لاتينية ويونانية تعكس هويتها الإدارية والتاريخية في تلك العصور:
- دمشق (Damascus)
- الاسم في الخرائط: سُجلت باسم Damasco (في لوحة بوتينغر الرومانية) وΔαμασκός / Damaskos (في خريطة بطليموس اليونانية).
- الدلالة التاريخية: احتفظت دمشق باسمها السامي الأصلي القديم عبر العصور الكلاسيكية دون تغيير جذري؛ نظراً لعمقها التاريخي كواحدة من أقدم المدن المأهولة بإستمرار في العالم، وكانت تُصنف في الخرائط الرومانية كإحدى المدن الرئيسية في حلف “الديكابوليس” (المدن العشر).
- حلب (Aleppo)
- الاسم في الخرائط: سُجلت في الخرائط الكلاسيكية باسم Beroea (باللاتينية) أو Βέροια / Beroia (باليونانية).
- الدلالة التاريخية: يعود هذا الاسم إلى العهد السلوقي (القرن الثالث قبل الميلاد)، حيث أعاد القائد “سلوقس نيكاتور” تأسيس المدينة وأطلق عليها اسم “بيرويا” تيمناً بمدينة تاريخية شهيرة في مقدونيا اليونانية، وظلت الخرائط الرومانية والبيزنطية تعتمد هذا الاسم الرسمي حتى الفتح الإسلامي للمدينة، حيث عاد اسمها السامي القديم “حلب”.
- اللاذقية (Latakia)
- الاسم في الخرائط: سُجلت باسم Laodicea أو تحديداً Laodicea ad Mare (اللاذقية التي على البحر)، وفي لوحة بوتينغر تظهر بلفظ Laodicia.
- الدلالة التاريخية: أسسها السلوقيون في القرن الرابع قبل الميلاد، وسماها “سلوقس نيكاتور” باسم “لاوديكيا” تكريماً لوالدته “لاوديس”. أضاف الجغرافيون الرومان عبارة “ad Mare” (الساحلية) للتمييز بينها وبين مدن أخرى حملت الاسم نفسه في الإمبراطورية (مثل لاوديكيا في تركيا أو لبنان)، وهو الاسم الذي عُرّب لاحقاً بعد الفتح الإسلامي ليصبح “اللاذقية”
#سوريا #سورية #دمشق #حلب #اللاذقية #التاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت.


