بقلم : دارين محمود
في ظل ما يشهده العالم المعاصر من تحولات متسارعة وتغيرات عميقة طالت أنماط الحياة والعلاقات والوعي الجمعي، بات من الضروري أن نتوقف أمام الانحدار الأخلاقي الذي يتسلل بصمت إلى بنية المجتمع ويهدد قيمه وثوابته. فالمجتمعات لا تنهض بالقوة المادية وحدها ولا تزدهر بالإنجازات التقنية فحسب، بل تتأسس نهضتها الحقيقية على منظومة القيم التي تضبط سلوك أبنائها وتشكل الضمير العام الذي يوجّه حركة الحياة فيها.
لقد أفرزت العولمة وانفجار المعرفة الرقمية وتقلّص دور الأسرة والمؤسسات التربوية حالة من الارتباك القيمي لدى أجيال شابة تبحث عن هويتها وسط ضوضاء الخطابات المتناقضة والنماذج المضللة التي تتصدر المشهد الإعلامي.
ومما يزيد المشهد تعقيداً أنّ التحديات الاقتصادية وضغوط الحياة اليومية دفعت كثيراً من الأفراد إلى إغفال مركزية الأخلاق في حماية الذات والمجتمع على السواء.
وفي هذا السياق يأتي التذكير بالأساس الشرعي الذي وضعته الشريعة الإسلامية لبناء الوعي الأخلاقي، إذ يقول الله تعالى في آية جامعة تجمع أصول الفضائل ومبادئ الإصلاح الاجتماعي:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ النحل 90
فهي آية تكاد تختصر الجوهر الذي تُبنى عليه المجتمعات الراسخة في قيمها والمستقرة في مسارها.
وإذا كانت القيم الأخلاقية تشكل الإطار الذي يحفظ تماسك المجتمع، فإن السنة النبوية قد جاءت لتؤكد هذا المعنى وتعمقه، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
وهو تصريح واضح يكشف أن الرسالة المحمدية لم تكن مجرد منظومة تشريعية أو عبادية، بل مشروعاً حضارياً يقوم في أساسه على تهذيب السلوك ورفع مستوى الوعي الأخلاقي لدى الإنسان.
إن استعادة البوصلة الأخلاقية اليوم ليست مطلباً ثقافياً أو ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية لحماية المجتمع من التصدع وضياع الهوية وانهيار العلاقات الإنسانية.
فالأخلاق هي الضمانة الحقيقية ضد العنف والتطرف والانفلات، وهي الركيزة التي تحفظ الثقة المتبادلة وتحقق الأمن النفسي وتبني جسور الود بين أفراد المجتمع.
ومن دون منظومة أخلاقية واضحة يصبح الإنسان عرضة للضياع وتصبح الأجيال المقبلة بلا سند يقيها الانجراف وراء التيارات الهدامة.
ولأن المسؤولية هنا ليست حكراً على مؤسسة دون أخرى، فإن الأسرة تبقى المحضن الأول لغرس القيم، والمدرسة المنبر الذي يعززها بالتربية الواعية، والإعلام القوة المؤثرة التي إما أن تسهم في تعميق الوعي أو تفتح أبواب الانحدار، والمؤسسات الثقافية والدينية هي الذاكرة الحية التي ينبغي أن تعيد صياغة خطابها بما يلائم التحديات الجديدة من دون التخلي عن الأصول والثوابت.
أما الفرد فهو حجر الزاوية الذي تنعكس من خلاله الأخلاق إلى محيطه فتؤثر في سلوك الآخرين وتشكل نواة التغيير.
إن هذا النداء يأتي في لحظة فارقة تحتاج فيها مجتمعاتنا إلى وقفة صادقة مع الذات وإلى وعي يعيد ترتيب الأولويات ويضع القيم في صدارة مشروعنا الحضاري.
فحماية الأجيال ليست شعاراً نرفعه، بل مسؤولية تتطلب وعياً جماعياً يعيد للأخلاق مكانتها ويصون ما تبقى من منظومة القيم ويعيد بناء ما تصدّع منها. فبهذا وحده يمكن أن نصنع مستقبلاً أكثر قوة وعمقاً وإنسانية.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


