اسامة عسل يكتب عن حرب اكتوبر من وجه نظر السينما.

💥 «أكتوبر» .. حين تنتهي الحرب ويبدأ السؤال كيف صنعت السينما المصرية ذاكرة الانتصار العظيم؟«سينماتوغراف»

ـ أسامة عسل

لم تدخل حرب أكتوبر السينما المصرية بوصفها حدثاً تاريخياً عادياً، كانت حرباً قريبة من الوجدان، ومتصلة بهزيمة لم تكن قد تحولت بعد إلى ماضٍ بعيد. لذلك كان على السينما أن تفعل أكثر من إعادة بناء المعركة. كان عليها أن تمنح الانتصار صورة، وأن تحول تجربة جماعية شديدة التعقيد إلى حكايات يستطيع المشاهد أن يعيشها من خلال أشخاص محددين.من هنا جاءت أفلام السبعينيات وهي تتحرك بين التاريخ والدراما، وبين الرغبة في تثبيت معنى النصر والحاجة إلى منحه وجهاً إنسانياً. «الرصاصة لا تزال في جيبي»، و«أبناء الصمت»، و«حتى آخر العمر» لا تقدم رواية واحدة للحرب، لكنها تكشف معاً الطريقة التي نظرت بها السينما المصرية إلى أكتوبر في سنواته الأولى.في «الرصاصة لا تزال في جيبي»، لا تبدأ الحكاية من يوم العبور، وإنما من آثار 1967. الجندي يحمل هزيمته معه، وتتحول الرصاصة التي يحتفظ بها إلى شيء يتجاوز قيمتها المادية. إنها ذاكرة شخصية للهزيمة، وسبب لاستمرار الانتظار.وحين تأتي لحظة العبور، لا يكون الانتصار مجرد حدث عسكري، بل يصبح الرد الذي ظل البطل ينتظره منذ بداية الفيلم.بهذا المعنى، تتحرك الشخصية داخل خط درامي واضح، من الانكسار إلى الاسترداد. حتى علاقته العاطفية لا تأتي منفصلة عن هذا المسار، فالحب والزواج والعودة إلى الحياة الطبيعية تصبح جميعها جزءاً من المكافأة التي تأتي بعد استعادة الكرامة المهدرة. ولهذا تبدو النهاية مكتملة منطقياً. البطل وصل إلى اللحظة التي كان الفيلم يعده بها منذ البداية.لكن اكتمال الرحلة يكشف في الوقت نفسه حدودها. ما إن يتحقق الهدف حتى تتوقف الحكاية. الحرب تمنح الشخصية معناها، والنصر يعلن اكتمال هذا المعنى.في «أبناء الصمت» يتغير البناء. لم تعد الحرب مرتبطة بشخص واحد، بل بمجموعة من الجنود والشخصيات التي تعيش في فضاءات مختلفة. الجبهة ليست المكان الوحيد الذي تتحرك فيه الأحداث، فالحياة المدنية والصحافة والعلاقات الشخصية تدخل في نسيج الحكاية. كما أن امتداد الزمن من حرب الاستنزاف إلى أكتوبر يمنح الفيلم فرصة لرؤية الحرب بوصفها حالة طويلة، لا يوماً واحداً.هذه النقطة مهمة، لأن الفيلم يوسع مفهوم الحرب من المعركة إلى المجتمع الذي ينتظرها ويعيش آثارها. ومع ذلك، تظل الشخصيات المختلفة متجهة نحو لحظة مشتركة. مهما اختلفت تجاربها، فإن العبور يصبح النقطة التي تتجمع عندها الخيوط، وتتحول المصائر الفردية إلى معنى جماعي.وهكذا تكشف المقارنة بين الفيلمين فرقاً في الشكل، لا في الاتجاه النهائي. الأول يضع تجربة الجندي في مركز الصورة، والثاني يوزع التجربة على مجموعة أوسع، لكن كليهما ينظر إلى الحرب من خلال لحظة الحسم التي تمنح ما سبقها تفسيره.أما «حتى آخر العمر» فيذهب إلى مكان مختلف. فالحرب هنا لا تنتهي بالنسبة إلى الطيار بمجرد إصابته وعودته من الجبهة. الإصابة تنتقل معه إلى حياته الخاصة، وتدخل مباشرة في علاقته بزوجته. يصبح الجسد نفسه ساحة الصراع الجديدة.وهذا التحول يمنح الفيلم قيمة خاصة داخل سينما أكتوبر. فبدلاً من أن تكون الحرب فعلاً خارجياً، تصبح أثراً يومياً. طريقة الحركة، العلاقة الزوجية، الإحساس بالعجز، ومحاولة استعادة الحياة، كلها تصبح امتدادات للمعركة.لكن الفيلم يختار أن يعالج هذا الجرح عبر الميلودراما. العلاقة الزوجية هي الأداة الأساسية لفهم الأزمة، والحب يصبح قوة مواجهة، فيما يتحول الألم إلى اختبار للعاطفة والتضحية. وهنا تقترب السينما من الإنسان أكثر، لكنها تظل حريصة على منح التجربة شكلاً عاطفياً يمكن الوصول به إلى خاتمة واضحة.هذه الملاحظة لا تعني أن الميلودراما كانت عيباً في ذاتها. على العكس، كانت واحدة من الوسائل التي استطاعت بها السينما المصرية أن تجعل حدثاً عسكرياً ضخماً قريباً من الجمهور. وحين يصعب تصوير الحرب نفسها، يمكن تصوير آثارها في وجه شخص، أو في جسد مصاب، أو في امرأة تنتظر، أو في جندي يحمل شيئاً صغيراً من الماضي.ولعل هذا يفسر حضور الأشياء والرموز الإنسانية في أفلام أكتوبر. الرصاصة في «الرصاصة لا تزال في جيبي» تختصر هزيمة كاملة. الجندي في «أبناء الصمت» لا يعيش الحرب وحده، بل يمثل جيلاً بأكمله. والجسد المصاب في «حتى آخر العمر» ينقل المعركة من الجبهة إلى البيت.لكن هذا النجاح في تحويل الحرب إلى رموز إنسانية حمل معه قيداً آخر. فالشخصية كثيراً ما تصبح مطالبة بأن تمثل شيئاً أكبر منها. الجندي يمثل الجماعة، والمصاب يمثل التضحية، والعاشق يمثل القدرة على الصمود. وبذلك يصبح الفرد مهماً بقدر ما يكشف عن المعنى العام.هنا تبدأ المنطقة التي تبدو أكثر إثارة للاهتمام في قراءة هذه الأفلام اليوم. ليس لأن السينما القديمة أخفقت في رؤية الإنسان، بل لأنها رأته داخل لحظة تاريخية كانت تطلب من الفن أن يثبت معنى الانتصار. أما السينما المعاصرة فتقف أمام زمن مختلف، حيث لم يعد أكتوبر تجربة يعيشها معظم الجمهور، وإنما ذاكرة تنتقل إليه عبر الصور والحكايات.وهذا يغير طبيعة المادة نفسها.المشاهد الذي عاش الحرب كان يرى في مشهد العبور استعادة لزمن قريب. أما المشاهد الذي ولد بعد ذلك بسنوات طويلة، فيرى المشهد بوصفه صورة تاريخية تكررت حتى أصبحت جزءاً من الوعي العام. لذلك فإن إعادة إنتاج الصورة نفسها لا تكفي بالضرورة لإنتاج إحساس جديد بها.ومن هنا يمكن للسينما أن تنتقل من سؤال الحرب إلى سؤال الذاكرة. كيف انتقلت تجربة الأب إلى الابن؟، ماذا بقي في البيت من شخص عاد من الجبهة؟، كيف تتغير رواية الحدث عندما يرويها أكثر من شخص؟، وما الذي يحدث عندما تكون الذاكرة العائلية مختلفة عن الصورة التي استقرت في الذاكرة العامة؟.هذه المنطقة تفتح إمكاناً درامياً أكثر ثراءً من إعادة تمثيل المعركة. قد يكون بطل الفيلم شخصاً لم يحمل سلاحاً، لكنه عاش الحرب من موقع آخر. وقد تكون الحكاية عن ابن يحاول فهم صمت أبيه. أو عن زوجة ظلت سنوات تستعيد تفاصيل لم يذكرها الزوج العائد. أو عن صورة قديمة تصبح، بعد عقود، موضع خلاف بين أفراد الأسرة.في هذه الحالة لا تختفي الحرب من الفيلم، حتى لو لم تظهر على الشاشة. تصبح موجودة في السلوك، وفي الصمت، وفي العلاقة بين الأجيال.وهنا أيضاً يصبح غياب التصوير الميداني المباشر لحرب أكتوبر جزءاً من تاريخ هذه السينما. لم تكن أمام صانعي الأفلام مادة أرشيفية حية وواسعة تسمح لهم ببناء الحكاية من صور الحرب نفسها، ولذلك اضطروا إلى إعادة بناء المعركة. ومع محدودية ما يمكن أن تمنحه إعادة التمثيل، كان الجسد والعاطفة والعلاقات أدوات أساسية لصناعة الإحساس بالحرب.لكن إعادة بناء المعركة ليست في حد ذاتها ضماناً للصدق. زيادة الميزانية يمكن أن تمنح الفيلم معارك أكبر، لكنها لا تمنحه بالضرورة رؤية أعمق. المهم هو موقع الكاميرا من الإنسان: ما الذي يراه؟، ما الذي لا يستطيع قوله؟، وكيف يستمر الحدث في داخله بعد أن تختفي الدبابات والطائرات من الشاشة؟.وهذا ما يمكن أن تضيفه سينما أكتوبر اليوم. ليس المطلوب التخلي عن مشاهد العبور، ولا إعادة محاكمة أفلام السبعينيات وفق أسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها في زمنها. تلك الأفلام أدت وظيفة واضحة، نقلت حدثاً وطنياً قريباً إلى الشاشة، وصنعت له شخصيات وصوراً بقي بعضها حاضراً حتى الآن.لكن الذاكرة لا تتوقف عند الصورة الأولى التي صنعتها السينما.لأن قيمة الفيلم ساعتها لن تكون في قدرته على إعادة مشهد العبور، بل في قدرته على اكتشاف ما بقي منه. فالنصر الذي كان خاتمة في أفلام السبعينيات يمكن أن يصبح بداية لحكاية جديدة، حكاية أشخاص عاشوا بعده، وكبروا، وتغيروا، ونقلوا ما عاشوه إلى أبناء لم يكونوا هناك.بهذا المعنى، لا تحتاج سينما أكتوبر إلى أن تبحث عن معركة جديدة. تحتاج إلى أن تنظر إلى ما تركته المعركة وراءها.فالحدث التاريخي ينتهي في الكتب حين توضع له نقطة. أما في السينما، فيمكن أن تبدأ الحكاية من تلك النقطة نفسها، من البيت الذي عاد إليه الجندي، ومن الجسد الذي لم يعد كما كان، ومن الطفل الذي ورث صورة حرب لم يعشها.هناك لا يصبح أكتوبر ذكرى محفوظة عن الانتصار العظيم فحسب، بل تجربة تتجدد كلما اكتشفت السينما إنساناً ظل خارج الكادر. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم