إدوارد سعيد (١٩٣٥ – ٢٠٠٣م)، عملاق الأدب العالمي، ورائد الأدب المقارن. ابن عائلة بسط الله رزقها، فوالده ممن نزح من القدس إلى أمريكا يوم سرى المرض في جسد الدولة العلية، فانضم للجيش الأمريكي، ونال الجنسية، ولما وضعت الحرب أوزارها، آب لفلسطين، مع وكالة تجارية لأقلام (بي)، تزوج وهو في عقده الرابع، فأنجب فتيات وصبي وحيد في بيت المقدس، مدرج صباه، والمدينة التي أحب، وفي القدس الغربية التي يحسب الأغمار أنها كيان اليهود، عاش برغد، فدخل مدرسة المطران الإنجليزية العريقة، ولما صدر قرار التقسيم، واستحر القتل، حل الجلاء بشعب فلسطين، فشخص إلى الكنانة، فانتسب لمدرسة فيكتوريا في الإسكندرية، ثم شَخصَ إلى مِصرَ الكنانةِ لمّا استحرَّ القتلُ وحلَّ الجلاءُ ببلادِ فلسطين، فدَخل مدرسةً يُقال لها “فكتوريا”، زاملَ فيها ملوكاً وأدباءَ وذوي صيتٍ في الناس، مثل ملك الأردن حسين بن طلال، والمخرج العالمي يوسف شاهين، والفنان العالمي عمر الشريف، كثيرًا ما تندر بصرامة المدرسة، وأومأ إلى كونها مظنة الشدة وغلظة الكبد الإنجليزيين، فهي تمن على الطلبة كونها فتحت لهم بابًا يخولهم العيش بالطريقة البريطانية، فمجت نفسه هذه المدرسة، وانعكس على تحصيله، فعمد والده إلى إنفاذه إلى بوسطن، في رحلة حزينة حررته من قيود الإنجليز، فقيدته بمدرسة داخلية، في جو بارد، طوال عامين، كان فيهما الأول على الدوام. مالت نفسه إلى الأدب، فانتسب لبرنستون، فنال الإجازة، ثم ولج إلى هارفارد، فنال الماجستير والدكتوراه تباعًا، وكانت رسالته عن أعمال كونراد، ليغدو صدرًا من صدور الأدب، فقدم لكولومبيا العريقة، التي قبلته على جناح السرعة. وأصبحَ جهبذاً يُشارُ إليه بالبنان، يُطوّعُ فنون الأدب لتكون وعاءً للفكر وبصيرةً للأمم.انقبض الرجل على نفسه في بداياته، فلما شبت حرب فيتنام، كان من أوائل من استصرخ الشارع وألب على الحكومة الأمريكية، فكانت المظاهرة الأسبوعية مع طلابه، تجوب شوارع نيويورك، ساءه كيف أعرضت حركة الحقوق المدنية عن فلسطين ولم تذكرها مظلمة تاريخية في بلد يزعم أنه واحة الحريات والنضال الأممي للظفر بالاستقلال، تفرس في وجوه الإعلام الأمريكي، فلمس تحيزًا واسعًا للصهيونية، تصور العرب بأبشع صورة وأدنى منزلة، ولما حلت النكسة في ١٩٦٧م، احتفت الصحافة الأمريكية بالنصر كما لو كان لجيشها، وحفظت ذاكرته كلمات مثل (فعلها أبناؤنا) (هزموا أعداءنا)! فهالته هذه الزراية بالعرب والشماتة بهم، فراح يعد العدة للانخراط في حركة قومية عربية، لمس من نفسه التقصير بالعربية، فانتجع بيروت لعام كامل، جالبًا أساتذة يعلموه العربية، فاستطاع أن يحي بنفسه تلك النفس القومية، سرعان ما انضم للحركة الفلسطينية الوطنية، وغدا من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، ولما حل عام ١٩٧٣م، عاين الفجيعة التي اجتاحت أمريكا من قطع النفط. من دراسته للأدب المقارن، مالت نفسه للاستشراق، قدم لإجازة علمية، فأمّ ستانفورد العريقة، وبقي طوال عام يدرس ويحلل، قبل أن تجود قريحته بكتابه الشهير (الاستشراق)، الذي أحدث هزة في الكيان العلمي الغربي، ولم يترك حجة لذي عقل منصف عن حقيقة دوره كأداة استعمارية تطوع تراث الشعوب للتحكم والتوجيه من القوى الغربية، ناهيك عن صورة مكذوبة للآخر يصوغها من يملك الرواية، فندد بقلب الظلام لكونراد، وروبنسون كروزو لدانيال ديفو، فكان العلم (ما بعد الاستعار Post-colonial studies). عمل مستشارًا لوزير خارجية أمريكا (ألكسندر هيج) مع صديقه إبراهيم أبو لغد، وأصرا على ضرورة فرض حل يكفل دولة فلسطينية، فقبلت أمريكا التفاوض مع منظمة التحرير على مضض، فانخرطت بمفاوضات سرية مع الكيان، أفضت لأوسلو، التي عارضها، ورأى فيها صفقة شخصية لياسر عرفات طففت من حق الشعب الفلسطيني وحملته تبعات حماية المحتل! وبقي يناوئها حتى فاضت نفسه إبان الغزو الأمريكي للعراق الذي ذكاه عدوه اللدود (برنارد لويس) في ٢٠٠٣م. هذه باختصار قصة إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني العالمي، ورائد دراسات ما بعد الاستعمار.


