يظل فيلم Last Tango in Paris واحدًا من أكثر الأفلام إثارةً للجدل في تاريخ السينما، لكن اختزاله في الجدل الذي أحاط به يعني تجاهل جوهره الحقيقي. فالفيلم الذي أخرجه Bernardo Bertolucci ليس قصة حب بالمعنى التقليدي، بل رحلة قاتمة داخل الخراب الإنساني، وتأمل طويل في الوحدة والرغبة والموت، وفي قدرة البشر على الاختباء من آلامهم خلف الجسد حين تعجز الكلمات.
تدور الحكاية حول بول، الرجل الأمريكي الذي فقد زوجته بالانتحار، وجان، الشابة الباريسية المقبلة على الزواج. يلتقيان مصادفة في شقة خالية، ويقرران إقامة علاقة جسدية بلا أسماء ولا ماضٍ ولا مستقبل. اتفاق غريب يبدو في ظاهره محاولة للتحرر من القيود الاجتماعية، لكنه في الحقيقة محاولة يائسة للهروب من الذات. كلاهما يدخل العلاقة وهو يحمل جرحًا لا يريد مواجهته، فيتحول الجسد إلى لغة بديلة عن الاعتراف.
أعظم ما يقدمه الفيلم هو تفكيكه لفكرة الهوية. بول يرفض أن يخبر جان باسمه، ويرفض أن يعرف عنها شيئًا، وكأنه يعتقد أن الألم مرتبط بالسيرة الشخصية، وأن التخلص من الاسم يعني التخلص من الماضي. لكنه يكتشف تدريجيًا أن الإنسان لا يستطيع أن يخلع نفسه كما يخلع ثوبه. فالذكريات تلاحقه، والحزن يتسرب إلى كل كلمة وكل نظرة، حتى في أكثر اللحظات حميمية.
أداء Marlon Brando يعد من أعظم ما قدمه خلال مسيرته. هنا لا يظهر براندو كنجم أسطوري أو بطل مهيب، بل كرجل محطم تمامًا. يبدو وكأنه لا يمثل بقدر ما يعترف. هناك مشاهد كثيرة يشعر المشاهد خلالها أنه يشاهد إنسانًا يتداعى من الداخل لا شخصية مكتوبة على الورق. يحمل وجهه إرهاق العمر كله، وتخرج كلماته كأنها محاولات أخيرة للنجاة من الغرق.
في المقابل تقدم Maria Schneider شخصية جان بوصفها روحًا معلقة بين البراءة والتمرد. ليست مجرد فتاة تقع في علاقة غير مألوفة، بل إنسانة تبحث عن ذاتها وسط عالم من الأقنعة. وجودها أمام بول يجعل العلاقة بينهما أشبه بصدام بين زمنين: رجل يرى الحياة من خلال خساراته، وامرأة ترى الحياة من خلال احتمالاتها.
بصريًا، يصنع برتولوتشي عالمًا خانقًا ومشحونًا. باريس هنا ليست مدينة العشاق التي اعتادت السينما تصويرها، بل مدينة باردة، رمادية، مليئة بالفراغ. الشقة التي تجمع البطلين تتحول إلى فضاء معلق خارج الزمن، مكان لا ينتمي إلى الواقع ولا إلى الحلم، وكأنها غرفة اعتراف يختبئ فيها شخصان من العالم ومن نفسيهما في آن واحد.
لكن الفيلم لا يتحدث عن الجنس بقدر ما يتحدث عن العزلة. فالمشاهد الجسدية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للكشف عن هشاشة الشخصيات. كل اقتراب جسدي يقابله ابتعاد عاطفي، وكل محاولة للاندماج تنتهي بمزيد من الانفصال. وكأن برتولوتشي يريد القول إن الجسد قادر على منح لحظة مؤقتة من النسيان، لكنه عاجز عن علاج الجروح العميقة.
مع تقدم الأحداث يصبح الفيلم أكثر قتامة. يبدأ بول بإدراك استحالة الاستمرار في هذا الفراغ العاطفي، ويحاول أن يعيد العلاقة إلى مستوى إنساني حقيقي، لكنه يكتشف أن القواعد التي وضعها بنفسه تحولت إلى سجن. لقد أراد علاقة بلا أسماء ولا تاريخ، لكنه في النهاية يحتاج إلى الاسم والتاريخ والحكاية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحب شبحًا.
النهاية تأتي كخاتمة مأساوية منطقية لمسار الشخصيتين. إنها ليست صدمة مجانية، بل النتيجة الطبيعية لعلاقة قامت على الإنكار. فكل ما حاول بول الهروب منه يعود إليه في اللحظة الأخيرة: الموت، والخسارة، والعجز عن التواصل الحقيقي مع الآخر.
فلسفيًا، يمكن قراءة الفيلم باعتباره مواجهة مع العبث الوجودي. شخصياته تبحث عن معنى في عالم يبدو خاليًا من المعنى، وتحاول أن تخلق لحظات مؤقتة من الاتصال الإنساني وسط شعور طاغٍ بالوحدة. لكنه أيضًا فيلم عن استحالة الهروب من الذات؛ فكل الطرق التي نسلكها للابتعاد عن جراحنا تنتهي بإعادتنا إليها.
بعد أكثر من نصف قرن على إنتاجه، ما زال Last Tango in Paris عملًا يثير الانقسام. هناك من يراه تحفة سينمائية جريئة في استكشاف النفس البشرية، وهناك من يرى أن الجدل الأخلاقي المحيط به لا يمكن فصله عن تقييمه الفني. لكن بعيدًا عن هذا الجدل، يبقى الفيلم دراسة مؤلمة للإنسان عندما يفقد قدرته على الحب، أو عندما يحاول استبدال الحب بأي شيء آخر.
إنه ليس فيلمًا عن الرغبة، بل عن الحزن. ليس عن الحرية، بل عن الفراغ الذي يختبئ خلف وهم الحرية. وفي قلب هذا كله يقف بول، كواحد من أكثر الشخصيات التراجيدية في السينما الحديثة: رجل يحاول أن ينسى ألمه بكل الطرق الممكنة، ليكتشف في النهاية أن أكثر الأشياء استحالةً هي الهروب من نفسه.
#السينما كمايجب ان تكون#مجلة ايليت فوتو ارت..


