إيليا أبو ماضي .. شاعر التفاؤل وصاحب الطلاسم .. الذي أضاء سماء المهجر

بقلم د.نادي شلقامي 

في اليوم الثالث والعشرون من نوفمبر، هو يوم مزدوج في ذاكرة الأدب العربي؛ فهو يوافق ذكرى ميلاد (1889 أو 1890) وذكرى وفاة (1957) أحد أبرز فرسان الشعر الحديث، إيليا ضاهر أبو ماضي، عملاق أدب المهجر وأحد مؤسسي “الرابطة القلمية” في نيويورك. لم يكن أبو ماضي مجرد شاعر يَنظم الكلمات، بل كان فيلسوفاً ارتدى ثوب التفاؤل، ومُصلحاً اجتماعياً سخر قوافيه لتهذيب النفس الإنسانية.

من قرية “المحيدثة” اللبنانية الفقيرة، انطلق هذا الشاعر ليحمل رسالته الإنسانية إلى شواطئ الإسكندرية ثم نيويورك، ليترك لنا تراثاً شعرياً لا يزال يصدح بالدعوة إلى الجمال، والرضا، ورفض التشاؤم. إن سيرته هي قصة كفاح مُتوَّج بالشعر، وميراثه هو مرجع لكل باحث عن النور في دياجير الحياة.

أولا…. النشأة والرحيل:

من المحيدثة إلى الإسكندرية

وُلد إيليا أبو ماضي في قرية المحيدثة بجبل لبنان في أواخر القرن التاسع عشر لعائلة بسيطة الحال. لم تسمح ظروفه المادية بمتابعة التعليم النظامي بعد المرحلة الابتدائية، إلا أن شغفه باللغة والشعر كان البوصلة التي وجهته نحو المستقبل. في عمر مبكر، قرر أبو ماضي الرحيل نحو مصر عام 1902، حيث عمل في تجارة بسيطة مع عمه بالإسكندرية، لكنه لم يجد في التجارة بغيته، فكانت القاهرة وإسكندرية بوابة عبوره إلى عالم الأدب.

في مصر، بدأت ملامح موهبته تتضح، ونشر أولى قصائده، لينضم بعدها إلى أسرة تحرير مجلة “الزهور”. وفي سن الثانية والعشرين فقط، أصدر ديوانه الأول “تذكار الماضي” عام 1911. ورغم نضج هذا الديوان، إلا أنه حمل بعض الملامح السياسية التي لم ترق للسلطات العثمانية، مما دفعه، كسائر أدباء عصره، إلى الهجرة مجدداً، وكانت وجهته هذه المرة هي “أرض الأحلام”؛ الولايات المتحدة الأمريكية عام 1912.

ثانيا…. المهجر والرابطة القلمية:

( تأسيس مدرسة أدبية جديدة)

استقر أبو ماضي في سينسيناتي أولاً ثم انتقل إلى نيويورك، حيث شهدت حياته التحول الأبرز. لم يعد مجرد شاعر، بل صار أحد الأركان المؤسسة لمدرسة أدبية كاملة. ففي عام 1920، شارك مع نخبة من أدباء المهجر العمالقة، على رأسهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، في تأسيس “الرابطة القلمية”.
كانت هذه الرابطة ثورة أدبية حقيقية هدفها التحرر من قيود الشعر التقليدي، والدعوة إلى النزعة الإنسانية، والتعبير عن الشوق للوطن، وتصوير آلام الغربة. ومن خلال هذا المنبر، تبلورت فلسفة إيليا أبو ماضي الشعرية التي تركز على التأمل والطبيعة والتفاؤل.

ثالثا… الصحافة و”السمير”:

( منبر الفكر والقصيدة)

لم تقتصر إسهامات أبو ماضي على الشعر، بل كان صحفياً وكاتباً بارزاً. ففي عام 1929، أسس مجلته الخاصة التي تحولت لاحقاً إلى جريدة يومية، وأسماها “السمير”. أصبحت “السمير” من أهم المنابر الأدبية في المهجر، ونافذة إيليا أبو ماضي للتعبير عن آرائه الأدبية والاجتماعية والفلسفية، وكانت بجهده الشخصي منارة نشرت لزملائه وألقت الضوء على إبداعاته الخاصة، وحافظت على صلة الأدباء العرب في المهجر بوطنهم الأم.
 
رابعا…. الدواوين الخالدة: منابع الفلسفة والتفاؤل
تجسدت العبقرية الشعرية لإيليا أبو ماضي في دواوينه التي لا يزال صداها يتردد حتى اليوم. أبرز هذه الدواوين هي:

1- تذكار الماضي (1911): بداية المسيرة التي عكست جوانب وطنية وسياسية.

2- الجداول (1927): يمثل النضج الفلسفي والاجتماعي، ويحتوي على قصائد ذات نزعة تأملية عميقة.

3- الخمائل (1940): استمرار لنهجه الرومانسي والتأملي، حيث زاد فيه من تغلغله في الطبيعة والذات الإنسانية.

4- تبر وتراب: يضم ما جمعه الشاعر من قصائد لم تنشر في دواوينه السابقة.
 
5- ويعد ديوانا “الجداول” و”الخمائل” نقطة التحول الكبرى، حيث تجلت فيهما فلسفة الشاعر التي تميزه عن غيره، متجسدة في قصائد أيقونية مثل:
“كم تشتكي”: التي يدعو فيها إلى الرضا والتفاؤل والسعادة بما هو موجود.

— “الطين”: التي تناقش التكبر والغرور وتدعو إلى التواضع والمساواة الإنسانية.

— “الطلاسم”: وهي قمَّة التأمل الفلسفي حيث يتساءل الشاعر عن سر الوجود والحياة والمصير: “جئت لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت”.

خامسا… الخصائص الشعرية:

(الرومانسية والإنسانية)

يُصنف إيليا أبو ماضي كأحد أعلام المدرسة الرومانسية في الشعر العربي، وتتميز قصائده بعدة سمات:

1- التفاؤل ونبذ التشاؤم:
يعتبر رائد التفاؤل، ومقولته الشهيرة في قصيدة “ابتسم”: “قال: السماء كئيبة! وتجهما. قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما!” هي شعاره الخالد.

2- الوحدة العضوية:
حيث تدور القصيدة حول فكرة واحدة متكاملة بدلاً من تفكك الأبيات.

3- سهولة اللغة وعذوبتها:
استعمل لغة سهلة ممتنعة، بعيدة عن الغموض، قريبة من وجدان القارئ.

4- توظيف الطبيعة:
كانت الطبيعة في شعره ليست مجرد خلفية، بل شريكاً حياً ورمزاً للتأمل.

5- النزعة الإنسانية:
تجاوز القضايا القومية إلى هموم الإنسان الأزلية، مثل الخير والشر، الجمال والقبح، الحياة والموت.

وختاما….توفي إيليا أبو ماضي في نيويورك يوم 23 نوفمبر 1957، بعد حياة حافلة بالعطاء الأدبي والجهد الصحفي، تاركاً خلفه فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي العربي، ولكن إرثه ظلّ قوياً كأغصان الأرز.

لقد نجح أبو ماضي في تحويل المهجر إلى محطة انطلاق لأجمل وأعمق القصائد، ليُثبت أن الشعر لا يحتاج إلى أرض الوطن كي يزدهر، بل يحتاج إلى قلبٍ يمتلئ بالحب والتفاؤل ورؤية للحياة. إن دعواته للابتسام والرضا ومحبة الجمال هي وقود روحي لأجيال متلاحقة، وسيظل إيليا أبو ماضي، الشاعر القادم من قرية صغيرة، هو صوت الأمل الذي يردده الأدب العربي الحديث.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم