هيلين طروادة تشعل حربا جديدة:انتقاد ماسك لنولان واختيار الممثلين الأعمى تنتقد إيلون ماسك المخرج الحائز على جائزة الأوسكار كرستوفر نولان واتهمه بأنه فقد “نزاهته”. فماذا حدث ولماذا يهاجم ماسك واحدا من كبار المخرجين في العالم؟ ما يحدث هو أن نولان يعمل حاليا على فيلمه “الأوديسة” الذي يضم مجموعة من الأسماء اللامعة منهم مات ديمون وتوم هولاند وزندايا وآن هاثاواي وغيرهم. وذكرت تقارير وتسريبات أن الممثلة السمراء “لوبيتا نيونغو” اختيرت ضمن طاقم العمل وأن نولان اختارها لدور “هيلين طروادة”. ونيونغو حاصلة على جائزة أوسكار لأفضل ممثلة في دور مساعد عن دورها في فيلم “إثنا عشر عاما من العبودية” من إنتاج 2013.على منصة X التي يملكها ماسك، كتب أحدهم قائلا: “كانت هيلين طروادة بيضاء البشرة، شقراء وكانت الوجه الذي حرك ألف سفينة ودفع الرجال إلى خوض حرب من أجلها لشدة جمالها”. ثم رأى المستخدم بأن اختيار ممثلة سمراء لهذا الدور يمثل إهانة للمؤلف هوميروس نفسه. وهنا يأتي دور ماسك الذي كتب معلقا: “لقد فقد كريس نولان نزاهته”. في المقابل عارض مستخدمون ما قاله ماسك وكتب أحدهم “الأوديسة أسطورة ولا يوجد أي دليل تاريخي يثبت وجود هيلين طروادة في الأساس لذا يمكن أن تكون جميلة بأي لون. اختيار امرأة سمراء جميلة لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع ما كُتب منذ آلاف السنين”.- من هي هيلين؟ هيلين طروادة ليست شخصية حقيقية بل وردت كشخصية في قصة الأوديسة. والأوديسة ملحمة شعرية كلاسيكية مكتوبة باليونانية القديمة وتُنسب إلى الشاعر الإغريقي الضرير هوميروس. ومع ذلك لم تكن الأوديسة مجرد قصة بل كانت ملحمة فلسفية عن الزمن والذاكرة والندم كما طرحها هوميروس وتُعتبر النص الذي ساهم في تشكيل وعي الإنسان الغربي وطرح مفاهيم إنسانية عميقة وقد ركزت على الصبر والذكاء واستخدام العقل بدهاء من أجل تحقيق النجاة. تروي القصة أحداثا تقع خلال عودة البطل أوديسيوس إلى وطنه مع زوجته وابنه بعد سقوط طروادة وهي رحلة استغرقت 10 سنوات واجه خلالها الكثير من المصاعب. من المعتقد أن هوميروس كتب الأوديسة في نهاية القرن الثامن أو بداية القرن السابع قبل الميلاد ولكن يبدو أن جوانب من تفاصيل القصة كان يتم تناقلها شفاهيا من جيل إلى آخر ما يعني أن جذور الأسطورة أقدم من النص. ومن المعتقد أن الأحداث وحرب طروادة التي تشير إليها القصص التي كان يتم تناقلها وقعت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ما يعني أن هناك ما يقارب 500 عام بين زمن وقوع الأحداث (هذا إذا كانت حقيقية) وزمن كتابة الملحمة. على أية حال، هيلين طروادة التي يرد ذكرها في الأوديسة كانت السبب وراء قيام حرب طروادة.لنعد إلى فيلم نولان، كانت أنباء قد تحدثت عن تعاون بين الممثلة السمراء نيونغو ونولان في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ولكن لم يرد ذكر مشروع الأوديسة إلا في ديسمبر/كانون الأول الماضي (2025) ولم يرد حتى الآن أي تأكيد على اختيار نيونغو لدور هيلين. ومع ذلك فبمجرد ما انتشرت تسريبات عن احتمال منحها هذا الدور انقسم الجمهور في الحال إلى فئتين. فئة ترى أن الأوديسة مجرد قصة أسطورية وهيلين في جميع الأحوال ليست امرأة حقيقية وبالتالي فلا بأس من اختيار ممثلة لا تطابق مواصفاتها مواصفات هيلين كما وصفها هوميروس. أما الفئة الثانية فرأت أن هذا الاختيار يقوض المصداقية والدقة التاريخية.-وكليوباترا !!لو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا أن جدلا مشابها قام في عام 2023 عندما منحت نيتفليكس دور كليوباترا للممثلة السمراء آديل جيمس وهو ما أدى إلى اتهام المنصة بمحاولة تزييف التاريخ لأن من المعروف تاريخيا أن كليوباترا كانت من أصل مقدوني. أما الفرق بين هيلين وكليوباترا فهو أن الأولى شخصية أسطورية في حين أن الثانية كانت شخصية حقيقية. ثم إن الفيلم طُرح باعتباره فيلما وثائقيا يمزج بين التمثيل وشهادات الخبراء وبالتالي وجدت نيتفليكس نفسها متهمة بالتزوير وبعرض سرديات تخالف الحقائق الأثرية ووُصف العمل بأنه يروج لحركة “المركزية الأفريقية – AfroCentrism” التي تحاول أن تنسب حضارة مصر لغير أهلها. وقد أدى هذا الجدال إلى رفع دعاوى قضائية في مصر ضد منصة نيتفليكس وإلى تحول عمل فني إلى أداة استخدمت في حروب على الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي. – اختيار أعمىوالآن لنحاول فهم سبب اختيار ممثلين ينتمون إلى أعراق تختلف عن أعراق الشخصيات التي يؤدون أدوارها. لهذه السياسة اسم وهو “الاختيار الأعمى للممثلين – Blind Casting” وتعتبر واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأوساط الفنية. وهي تعني أن اختيار الممثل يتم اعتمادا على مدى ملائمته للدور وكفاءته دون النظر إلى عرقه ولونه.بدأت هذه الفكرة أول ما بدأت في المسرح ونشأت ورافقت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وكان أول من طبقه “جوزيف باب – Joseph Papp” مؤسس مهرجان نيويورك لشكسبير انطلاقا من إيمانه بأن بإمكان ممثل أسمر أن يؤدي دور هاملت أو الملك لير دون أن يؤثر ذلك على روح النص. وشيئا فشيئا بدأت هذه الفكرة تتسلل إلى السينما اعتبارا من سبعينات القرن الماضي فأصبحنا نرى ممثلين مثل مورغان فريمان يؤدون أدوارا كانت مخصصة لممثلين من ذوي البشرة البيضاء ومنها دوره في فيلم “الخلاص من شاوشانك – The Shawshank Redemption” لأن الشخص المذكور في الرواية الأصلية آيرلندي أحمر الشعر.تطور هذا التقليد لاحقا وترسخ شيئا فشيئا وأصبح ضمن شروط الإنتاج فمثلا وضعت أكاديمية الأوسكار معايير لضمان التنوع والشمولية كشروط للترشح لجوائزها وهو ما شجع المنتجين على اختيار ممثلين من ذوي البشرة السمراء أو ممن ينتمون إلى فئات لم تجد ما يكفي من اهتمام السينما بها عبر تاريخها مثل الممثلين من أصل آسيوي. على أية حال، لم يُثر هذا التوجه انتقادات حادة كالتي نشهدها الآن لأن الأمر يتعلق بالتاريخ مثل حرب طروادة وكليوباترا. ويرى المعارضون أن منطلقهم ليس عنصريا على الإطلاق بل من أجل الحفاظ على المصداقية التاريخية. وهم يقولون مثلا إن من الصعب جدا إعطاء دور الملك البريطاني هنري الثامن لممثل من أصل أفريقي لأن الأمر يتحول إلى تزييف. أضف إلى ذلك أن مثل هذا الاختيار سيؤدي بالتأكيد إلى نفور المشاهدين أنفسهم الذين سيشعرون بضياع المصداقية وبأن هناك من يحاول خداعهم. هؤلاء المعارضون يتهمون المنتجين والمخرجين الذين يتبعون سياسة الاختيار الأعمى للممثلين بالسعي لمجاراة الترندات السائدة دون الاهتمام بالقضايا الإبداعية وبالمصداقية التاريخية. وهناك من يتساءل: هل يمكن مثلا إعطاء دور نلسون مانديلا لرجل أبيض؟ أو دور هوشي من لممثل سويدي؟ أو حتى دور سبارتاكوس لممثل من أصل آسيوي أو ربما دور ابراهام لنكولن لممثل من أصل أفريقي؟ إن حدث ذلك فقد يشعر المُشاهد بعملية تسطيح وتفريغ للأحداث من معانيها الحقيقية وبشكل مقصود وقد تُثار في ذهنه شكوك بوجود آجندات سياسية تقف خلف مثل هذه الاختيارات.على أية حال، هؤلاء يقولون أيضا إن فكرة الشمولية وتصحيح الإرث السينمائي تحت شعار رفع المظلومية عن فئات تجاهلتها السينما في الماضي قد يؤدي بالنتيجة إلى خسارة ثقة المُشاهد وخسارة المصداقية وهو ما قد يؤثر على السينما وعلى مكاسبها المادية، فالسينما في نهاية الأمر عبارة عن تجارة أليس كذلك؟


