
يمامة حمص
نجد في تجربة الفنان التشكيلي إياد بلال، لا تبدو الغربة مجرد انتقال جغرافي، بل حالة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بالمكان والذاكرة والهوية.
من بين تفاصيل الوطن التي تستقر في الوجدان، وأسئلة الفن وقدرته على مواجهة الفقد، تنبثق رؤيته التي ترى في الإبداع مساحة لتخفيف وطأة الألم، لا لمحو آثاره. وفي هذا الحوار، يتحدث بلال عن حضور البلاد في أعماله، وعن أثر الغربة في تجربته الإنسانية والفنية، وكيف يوازن بين انتمائه الأول وانفتاحه على العالم.

نستكمل اليوم حوارنا السابق مع المبدع بلال لتسليط الضوء على تجربته:
هل تحضر البلاد في أعمالك بوصفها حنيناً مباشراً إلى الذاكرة الخفية؟
يبتسم الفنان قبل أن يجيب، وكأن السؤال أيقظ في داخله مدينة كاملة. يقول إن البلاد لا تغيب عن العاشق، ولا عن الفنان، ولا عن أي شخص يكرّس حياته للثقافة.
فالمكان، في رأيه، لا يتلاشى بالابتعاد عنه، بل يزداد حضورًا كلما اتسعت المسافات.
ويضيف: أن تفاصيل الوطن الصغيرة تبقى عالقة في الذاكرة، وربما تصبح أكثر وضوحاً في الغربة.
فالعصافير هناك تكتسب معنى مختلفًا، والأصوات البعيدة يتضاعف صداها، لأن الإنسان، كما يقول، «مسكون بالأمكنة».
ويرى أنها النعمة والمحنة في آن واحد؛ أن تسكننا المدن، والأشخاص، والتفاصيل التي شكّلت حياتنا، فتغدو جزءاً من ذاكرتنا وطريقتنا في رؤية العالم والتعبير عنه.

وعندما يُسأل عمّا إذا كان الفن قادراً على ترميم ما تكسره الغربة، تأتي إجابته حاسمة: لا شيء يستطيع ترميم ما يكسره الفقد. فالغربة، في جوهرها، ليست سوى صورة من صور الفقد؛ فقد الأحبة، أو المكان، أو الطمأنينة. وكل انكسار يترك أثراً لا يمكن محوه.
لكنه يرفض في الوقت ذاته التقليل من قيمة الفن، موضحاً أن دوره ليس إصلاح الكسور بقدر ما هو التخفيف من ألمها.
ويشبّه الفن بالضماد أو بالمسكن الذي لا يعالج الجرح، لكنه يمنح صاحبه القدرة على مواصلة الحياة، ويؤدي أدواراً أخرى أكثر عمقاً في فهم الذات والعالم.

وعن هويته الفنية اليوم، وهل يراها مرتبطة بمكان محدد أم بالتجربة الإنسانية الأوسع، يؤكد أن الفن الحقيقي لا يعرف الحدود الجغرافية.
فوظيفته، بحسب وصفه، عبور بين الأمكنة والثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة، وأن تكون لغته مفهومة في كل أنحاء العالم، بصرف النظر عن الجنسية أو الجغرافيا.
ومع ذلك، يقرّ بأن الفنان لا يستطيع أن يتخلى عن جذوره.
فمهما اتسعت آفاقه، يبقى منتمياً إلى مكانه الأول، وتحضر هذه المحلية في أعماله بوصفها جزءاً أصيلًا من تكوينه الإنساني والإبداعي.

أما الغربة، فينظر إليها من زاوية مختلفة، برغم ما تحمله من قسوة، منحته أفقاً أوسع للتفكير، وعرّفته إلى ثقافات متعددة، وجنسيات مختلفة، وأساليب متنوعة في فهم الحياة.
ويرى أن هذه التجارب الإنسانية الواسعة أغنت رؤيته الفنية، دون أن تنتزع منه انتماءه الأول، أو تقلل من حضور المكان الذي بدأ منه الحكاية.

