إليكم .. الشخصية التي تُخطئ ولا تُسامح من يخطئ .. قراءة موسعة في تناقض الإنسان مع ذاته

كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة

في عالم العلاقات اليومية، نلتقي بشخصيات تتعامل مع الخطأ بتسامح وفهم، وأخرى تتعامل معه بصرامة وعدائية. غير أن هناك نمطًا خاصًا يثير التساؤلات: شخص يسمح لنفسه بالخطأ، لكنه لا يمنح الآخرين الفرصة نفسها.

قد يعتذر عندما يخطئ، أو ربما لا يفعل، لكنه في المقابل يُحاسب الآخرين بقسوة وقد لا يسامحهم حتى على أخطاء بسيطة.

هذه الشخصية ليست نادرة، بل موجودة في البيوت، أماكن العمل، وحتى العلاقات القريبة. والغالب أنّ هذا التناقض – أن يخطئ هو، لكنه لا يتسامح مع خطأ غيره له جذورٌ نفسية معقدة وأبعاد اجتماعية عميقة.

السمات العامة لهذه الشخصية

– انتقائية في الحكم على الأخطاء

الشخص يتعامل مع أخطائه وكأنها استثناءات يجب تفهّمها، بينما يرى أخطاء الآخرين على أنها إهانة أو تقصير لا يغتفر.
هذا التباين يُظهر وجود مقياسين: واحد لنفسه، وآخر للآخرين.

– حساسية شديدة تجاه النقد

رغم أنه يخطئ، إلا أنه يرفض الاعتراف. وقد يشعر بالتهديد بمجرد أن يُوجَّه إليه نقد بسيط، لأنه يعتبر النقد اعتداءً على قيمته الشخصية.

– تضخيم الذات والإحساس بالتفوق

يرى نفسه في مكانة أعلى، وبالتالي يعتبر أن من حقه أن يُغفر له، لكن ليس من حق غيره أن يتسامحوا مع أخطائهم.

– تبرير الذات باستمرار

عندما يقع في خطأ، يقدّم سلسلة من التبريرات: الظروف،
الضغوط، سوء الفهم…

لكن عندما يخطئ الآخر، يراه خطأً صريحًا لا مبرر له.

– ضعف الوعي الذاتي

يعطي نفسه الحق في فعل أشياء يرفض أن يفعلها الآخرون، لأنه لا يرى تناقض سلوكه بوضوح.

وكأنه ينظر للعالم من نافذة ضيقة تركز على أخطاء غيره وتتجاهل أخطاءه.

الأسباب النفسية التي تقف وراء هذه الشخصية

– الخوف من الانكشاف

هذا الشخص يخاف أن تظهر ضعفه أو عيوبه أمام الآخرين، لذلك يدافع عن أخطائه بكل الطرق، بينما يهاجم أخطاء غيره ليُخفي عيوبه.

– نقص الثقة بالنفس

قد يبدو قويًا أو متماسكًا، لكنه في الداخل يعاني من هشاشة نفسية تجعله غير قادر على تحمل فكرة أنه يخطئ مثل الآخرين.

– بيئة تربوية صارمة

ربما تربّى في بيت لا يسمح بالخطأ، وكان يُعاقب بشدة عند أي هفوة.

فنمى بداخله اعتقاد أن الخطأ شيء مخيف يجب إنكاره أو إسقاطه على الآخرين.

– اعتقاد أن الخطأ يقلل من قيمته

يربط شخصيته وقيمته الذاتية بكمالٍ غير واقعي. لذلك، فإن التسامح مع خطأ الآخرين يُشعره بأنهم مثله، وهذا يهدد وهم التفوق الذي بناه لنفسه.

– تجارب سابقة غير محلولة

ربما تعرّض للخيانة، أو للومٍ مستمر، أو لظلم شديد، لذلك أصبح غير قادر بسهولة على التسامح، لكنه يميل لتبرير أخطائه لأنه يرى نفسه ضحية الماضي.

كيف تظهر هذه الشخصية في الواقع؟

– في الأسرة

قد يكون أحد الوالدين أو أحد الإخوة.

هو يرفع صوته عندما يخطئ الآخر، لكنه يطلب الصمت عندما يخطئ هو.

يُعاتب بشدة ويطالب بالاحترام، لكنه يرفض الاعتذار.

– في العمل

ربما يكون مديرًا لا يعترف بالتقصير، لكنه يحاسب الموظفين على كل خطوة.

أو زميلًا ينتقد غيره، لكنه يبرر أخطاءه بالحجج الجاهزة.

– في العلاقات العاطفية أو الصداقة

يطلب الاهتمام، لكنه لا يقدمه.

يطلب أن يُسامَح، لكنه لا يسامح.

وإذا أخطأت مرة، ربما يتجاهلك أيامًا… بينما هو يتوقع منك أن تتجاوز أخطاءه فورًا.

تأثير هذه الشخصية على محيطها

– خلق توتر دائم

الأشخاص حوله يعيشون في حالة ترقّب وخوف من ارتكاب خطأ بسيط.

– تآكل الثقة

لأن المعايير غير عادلة، يفقد الآخرون الثقة به وبالعلاقة.

– تقليل قيمة الآخرين

إصراره على إبراز أخطاء غيره يشعرهم بأنهم أقل شأنًا، ما يؤدي إلى جروح نفسية مع الوقت.

– دفع الآخرين للابتعاد

مع الوقت، يبتعد الناس عنه لأنه مرهق وغير عادل في أحكامه.

كيف يمكن التعامل مع هذا النوع من الشخصيات؟

– وضع حدود واضحة

لا تسمح له بأن يحمّلك ذنب كل شيء أو أن يوبّخك بلا سبب.

ضع حدًا محايدًا وقويًا لسلوكه دون عداء.

– تجنّب الدخول في صراعات حادة

هذه الشخصية قد تزداد عنادًا إذا شعرت بالتحدي.

اختر الحوار الهادئ القائم على المواقف وليس الأشخاص.

– عدم قبول اللوم غير المبرر.

عندما يبالغ في محاسبتك، يمكن الرد باحترام: “الجميع يخطئ، وأنت أيضًا. دعنا نتعامل مع المشكلة وليس مع الأشخاص.”

– محاولة توجيهه للوعي الذاتي

ليس مباشرة، بل تدريجيًا.
مثلاً من خلال طرح أسئلة:
“كيف كنتَ ستشعر لو حدث العكس؟”
“هل يمكن أن نقيّم الموقف من منظور آخر؟”

– تجنّب إعطائه سلطة غير مستحقة

لا تسمح بأن تكون العلاقة أحادية، يتسامح فيها مع نفسه ويعاقبك أنت فقط.

هل يمكن لهذه الشخصية أن تتغير؟

نعم، التغيير ممكن، لكنه يحتاج:

– وعي بالسلوك المتناقض

يدرك الشخص أن المعايير التي يفرضها على غيره لا يطبقها على نفسه.

– الاستعداد للاعتراف بالخطأ

ليس سهلاً لكنه بداية النضج.

– علاج لجذور المشكلة

مثل نقص الثقة أو تجارب الطفولة الصارمة.

– بناء فهم أعمق لمفهوم الخطأ

الخطأ ليس عيبًا قاتلًا، بل جزء من التجربة الإنسانية.

التدريب على التسامح عبر خطوات صغيرة، مثل تقبّل اعتذار بسيط أو منح فرصة ثانية.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم