إعادة توزيع الأحداث داخل الزمن السينمائي عند جودار.

“الفيلم يجب أن يحتوي على بداية ووسط ونهاية، لكن ليس بالضرورة أن تأتي بهذا الترتيب “الجملة الشهيرة التي قالها جودار كثيرًا ما أسيء فهمها بوصفها حيلة شكلية تتعلق بإعادة ترتيب المشاهد، كأن تُنقل النهاية إلى البداية أو يُقلب التسلسل الزمني للسرد ، لكن هذا الفهم الحرفي يختزل ما كان يقصده جودار في مجرد لعبة بنيوية، بينما كانت فكرته أعمق بكثير من مجرد إعادة توزيع الأحداث داخل الزمن السينمائي.فالتجريب في كسر التسلسل الزمني لم يكن اختراعًا جديدًا في السينما، وقد ظهرت قبله أفلام عديدة تعاملت مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل ، ربما ما كان يحاول جودار قوله هو أن الفيلم في جوهره، ليس حكاية تُروى بقدر ما هو فضاء للتفكير مساحة يتحرك فيها المعنى باستمرار، حيث لا يتشكل الإدراك من الحدث ذاته، بل من الطريقة التي يُعاد بها ترتيب هذا الحدث داخل شبكة من الصور.التفكير في الفيلم هو دائمًا دعوة إلى تفكيكه، وكل تفكيك يبدأ من أصغر وحداته: اللقطة ، فكل لقطة ليست مجرد صورة مستقلة، بل احتمال لمعنى لم يكتمل بعد، معنى ينتظر أن يتولد في لحظة التماس مع اللقطة التالية ، هذه الفكرة تذكرنا بما طرحته حركة المونتاج السوفيتي ، حيث لا يوجد المعنى داخل الصورة نفسها، بل في الشرارة التي تنشأ بين صورتين متجاورتين ، المعنى بهذا الشكل ، ليس شيئًا يُعرض على الشاشة، بل شيء يولد في ذهن المتفرج.لهذا تبدو دعوة جودار إلى إعادة التفكير في تركيب الفيلم وكأنها دعوة إلى إعادة التفكير في الفكر ذاته ، فاختيار موضع اللقطة، زمنها، لحظة القطع التي تفصلها عما يليها، كلها قرارات لا تتعلق بالبناء فقط، بل بماهية الفكرة التي نريد أن تنبثق من الفيلم، السينما هنا لا تعيد تمثيل الواقع، بل تعيد تنظيمه، كأنها تعيد ترتيب العالم مرة أخرى داخل إطار.ليتحول الفيلم إلي فعل تفكير بصري ، وليس مجرد سرد، بل تجربة إدراك ، كل صورة فيه تقترح سؤالًا، وكل قطع بين صورتين يفتح فجوة صغيرة يتسرب منها المعنى.ولهذا كان جودار يرى أن الفيلم يشبه سلاحًا ، ليس لأنه يهاجم المتفرج، بل لأنه يصيبه ، فالصورة عندما تُركب بوعي، لا تمر مرورًا عابرًا في العين، بل تستقر في الوعي كصدمة خفيفة، كفكرة حادة ، لقطة بعد أخرى، يطلق الفيلم طلقاته الصامتة، حتى يجد المتفرج نفسه وقد أُصيب بفكرة لم يكن يتوقعها.# صفحة المخرج احمد حسين # السينما في العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم