أسماء الآلهة التي عبدها قدماء اليمنيين.

أولاً: تسمية الإله عمّ في مملكة قتبان:لا تزال هناك الكثير من الأسماء التي وردت في النقوش اليمنية القديمة غير معروفة معانيها، ولاسيما أسماء الآلهة التي عبدها قدماء اليمنيين. ولذلك فإن إعطاء تفسير لمعانيها يُعدّ من أهم الصعوبات التي تواجه الباحثين في دراسة الديانة في بلاد اليمن القديم، فالكثير منها ما تزال غامضة؛ لأن أقدم النقوش التي تؤرَّخ إلى بداية الألف الأول ق.م. نقلت أسماءها، ولم تتناول أو تتطرق إلى الكيفية التي تطورت وتكوّنت فكرة الدين لديهم، والتي ربما كانت لها علاقة باختيارهم أسماء لآلهتهم التي عبدوها. ولذلك كان للألقاب والصفات التي أطلقوها عليها، وكذلك الرموز التي اختاروها لها، الدور الكبير في فهم وتفسير كثير من الأمور المتعلقة بها، كاقتران الآلهة الرئيسة في ممالك اليمن القديم بالقمر.ويُعدّ الإله عمّ الإله الرئيس لمملكة قتبان، وذُكر في النقوش القتبانية ونقوش الممالك الأخرى بصيغة واحدة هي (ع م). إلا أن هناك الصيغة (ع م م) التي وردت في بعض نقوش ملوك قتبان، وفي النقوش الخاصة برجال الدين (الكهنة)، وكانت تذكر بعد (شعو) أي الكاهن، والتي عدّها البعض صيغة أخرى كُتب بها الإله عمّ، إلا أنه تبين أن الاسم (عمم) لا يُقصد به الإله عمّ، وإنما جاء ليعني (الكاهن العام أو الأكبر)، وأيضاً بمعنى (عام، سنة)، ويدل على الكاهن وعلاقته بالتاريخ الذي يُطلق عليه (الإيبونيم – Eponyms)، أي التأريخ بأسماء الكهنة. كما ورد اللفظ (عم) في النقوش السبئية وبعض الممالك الأخرى، ليدل على معنى (مع، بصحبة، بحضور)، أي أنه يشير إلى الرفقة والمصاحبة، ولا يُقصد به الإله عمّ.يجمع الباحثون على أن اسم الإله (عم) علاقةً بالقرابة والأسرة، وأن عمّ هو العمُّ أخو الأب، كما هو في اللغة العربية. وفي ذلك يقول نيلسن:إن هذا الإله كان يُنظر إليه كالجدّ الأكبر للقبيلة، للشعب، وبني آدم. ومن هذه الأسماء نجد لفظ (أب) وكذلك (عم)، وقد أصبح ذلك اللفظ في العربية المتأخرة قاصراً على (العم)، لكن قديماً كان يدل على نفس المعنى الذي يدل عليه لفظ (أب) بمعنى الجدّ الأكبر أو الأصل. وبهذا المعنى يلعب هذا اللفظ الدور الهام في وصف ذلك الإله بكونه الرحمن الرحيم بالبشر وحاميهم”.ويوافقه الرأي جواد علي، ويذكر أن إله القمر هو الأب، وكانوا يخاطبونه بـ(ود أب – ود أب)، فإنه ليس من الغريب أن ينادونه بـ(عم)، على أساس أن العم يكون في مقام الأب، وإن العرب ما زالوا يخاطبون الكبير بالعم، كدليل على تقديرهم واحترامهم له، وإن مناداتهم لإلههم القمر يا عمّ لينالوا رضاه وبرحمهم ويبارك لهم فيهم وفي أعمالهم، وهو دلالة على تواضعهم وضعف السائل تجاه معبودهم. ويضيف أن النصوص الثمودية أطلقت الصفة عم على الآلهة (عم)، وهي تعني رحيم ورؤوف.وأما بيرين فتذكر أن عمّ في اللغة العربية هو أخ الأب، وفي اللغة العربية يعني الحامي، ويُعنى فيها أيضاً الناس، كما يُعنى في العربية مجموعة من الرجال في القبيلة، أي مجموعة خاصة من الناس، وهو مصطلح خاص بالقبيلة، وأنه بالفرنسية يدل على وزير عام أو شامل. ويرى ريكمانز أنه العم، وربما يدل على مكانته ووظيفته في مجمع آلهة قتبان كإله رئيس، وما لم يكن هذا اللقب هو الذي يحل محل اسمه الخفي، ونضيف أن ارتباط الإله عمّ بالقمر غير مؤكد ولم يثبت بعد. وهو عند برون عمّ العائلة، وأنه يمثل الأكثر قرباً بعد الأب، وهو الحامي.ويشير إبراهيم الصلوي إلى أن الاسم عمّ من الأسماء المعروفة والمشتركة في اللغات العربية القديمة في اللغات السامية، وهي تدل على القرابة، ويضيف بأن أصل الكلمة هو (عمي)، لأن حرف الياء قد طُرح من آخر اللفظ (عم)، لأنها هنا حرف مدّ للكسر، ولذلك لابد أن يُقرأ (عمي). وهو العمّ عند روبان، ويذكر أن (عم) هو كنية تطلق على (أخ الأب)، غير أن استخدام هذه الكنية بشكل مستمر في الشعائر الدينية دون الاسم ذاته أدى في النهاية إلى نسيان الاسم، أي نسيان اسم الإله”.ويذكر بيستون أنه لا توجد أدلة كافية لربط الآلهة الرئيسة في الممالك اليمنية القديمة بالقمر. وبالنسبة للإله عمّ فإن ألقابه وصفاته قد توحي بارتباطه بالقمر، إلا أن ذلك يظل في دائرة الاحتمال والتخمين، ويرى أن إله عمّ هو الراعي.وبذلك يلاحظ أن معنى (عم) فُسِّر على أساس نظرية العائلة الإلهية (القمر هو الأب، والشمس هي الأم، والزهرة الابن)، وأيضاً على معناه في اللغة العربية، وهذا التفسير فيه شيء من التبسيط، وذلك لعدم وجود آلهة عُرفت بأسماء الأب أو الخال أو الجد أو الابن، وإنما قد توجد كصفة لإله مثل الإله ودّ فقط، الذي نُعت بـ(ود أب). ويجب الأخذ بالاعتبار أن اللغة اليمنية القديمة لم تكن تُكتب فيها حروف اللين والحركات، ولذلك فإنه يصعب ضبط الألفاظ ضبطاً دقيقاً. وعليه لا يُستبعد أن يكون أصل الكلمة عام (ع ا م)، وعام في اللغة العربية هو من يعمّ الجميع ويشمل الجميع، وهو من يعمّ القوم بخيره، وهو الراعي.وعليه فإله عمّ هو الإله الذي يشمل جميع عباده، وهو الراعي والحامي لهم، واعتبره القتبانيون الأب الأكبر لهم، لكي ينالوا رضاه ويحيطوا بالرعاية والحماية اللازمة منه، فهو الإله الرئيس والقومي لاتحاد القبائل التي كوّنت مملكة قتبان.وتتضح مكانته كإله رئيس راعٍ وحامٍ من خلال حرص القتبانيين – الملوك والخاصة والعامة – على تقديم الإهداءات والنذور لإله عمّ أكثر من غيره من آلهتهم الأخرى، فلم يتركوا مناسبة سواء كانت عامة أو خاصة إلا وتقربوا له، وتضرعوا إليه لكي ينالوا رضاه ويحفظهم من أي مكروه أو مرض قد يصيبهم، فهو الإله الحامي والراعي لهم، وأراضيهم وأملاكهم وتجارتهم ومواشيهم، وكانوا يقيمون منشآتهم كالمدن وغيرها بأمر منه وحمايته، وكان حكام قتبان يتقربون إليه ببناء المعابد له، ويوقفون له الأراضي الزراعية.وتظهر أهمية الإله عمّ عند الحكام القتبانيين من خلال اتخاذهم أسماء تشير إلى القمر، حيث حمل الكثير من الملوك الاسم شهر وهلال. كما عُرف لدى اليمنيين القدماء استخدامهم لأسماء الأعلام المركبة، وهي التي يكون أحد أجزائها يمثل اسماً لإله، وخاصة الإلهين عثتر وعمّ. وتشير النقوش إلى أن القتبانيين بما فيهم الملوك استخدموا الإله عمّ في …أسماؤهم المركبة، ومنها: نبط عم، هوف عم، عم أمن، سعد عم، عم علي، أنس عم، عبد عم، عم شفق، عم يشع، عم صدق، وعم شيم، وعم لحي عم، وغيرها.كما استُعمل الاسم (عم) كاسم لأحد الشهور التي أُرِّخ بها في نقوش قتبان، وقد ورد بصيغة (ذ عم)، في النقش RES 3854/10، الذي يوجد على البوابة الجنوبية لتمناع (ذي سدر)، ويعود إلى عهد الملك شهر هلال بن ذرأ كرب في القرن الثاني ق.م تقريباً، وهو نص قانوني، وفيه:(يضع) هذا المرسوم (القانون) في شهر ذي عم في سنة أب علي (من العائلة أو العشيرة) شهر الأول ومصر (يتوقع من يد الملك) شهر.ويُعدّ النقش السابق الوحيد الذي ذُكر (ذ عم) كاسم لشهر. ويرى بيستون أن ورود (ذ عم) كاسم شهر يُؤرَّخ به، ليس المقصود به الإله عم، وإنما بالتأكيد يمثل اسم عشيرة. ويبني بيستون رأيه ذلك على أساس أن النقوش اليمنية القديمة كانت تؤرَّخ بأسماء العشائر أو القبائل، فضلاً عن الاسم (تشرم – نسرم) الذي كان يُعرَف كإله في مملكتي سبأ وقتبان، واستُعمل كاسم لأحد الشهور في سبأ كما أسلفنا. ومن ثم جاء ذكر (بني نسر) في عدد من النقوش السبئية كاسم قبيلة أو عشيرة سبئية قديمة في مأرب، غير أن الوضع يبدو مختلفاً في مملكة قتبان، حيث تشير نقوشها أنها أطلقت على الشهور أسماء تحظى بأهمية في حياة القتبانيين، منها التي سُمِّيت بأسماء بعض الآلهة، وهي: (سحر، شيم، ورش، وعم)، وإلى جانب أسماء الآلهة نجد ورود اسم تمنع كاسم لشهر في نقوش RES 3566/9، 22، ويُذكر (ورخ ذ تمنع) وبصيغة (ورخ س ذ تمنع)، أي الشهر ذي تمنع، في النقش RES 3691/8. ومن أسماء الشهور التي أُرِّخ بها أيضاً جاء اسم (ذ برم) في ثلاثة نقوش بصيغة (ورخ س ذ برم)، أي في شهر ذي برم، و(برم) هو اسم لوادٍ جاء ذكره في العديد من النقوش القتبانية، وهو جزء من الوادي الذي يُعرَف اليوم باسم وادي بيحان الذي قامت عليه مملكة قتبان. وبذلك يتضح أن القتبانيين لم يُسمّوا الشهور بأسماء العشائر، بل بأسماء ذات دلالات دينية وجغرافية مهمة في حياتهم.حظيت بأهمية في حياتهم، على خلاف السنين التي سُمِّيت نسبةً لأسماء العشائر، التي تولّت الكهانة للإله عمّ. وبذلك يبدو أن تسمية أحد الشهور باسم الإله عمّ يشير إلى القيام ببعض الطقوس الدينية الخاصة به، وكان يتم تأديتها في شهر (ذي عم)، غير أن النقوش لم توضحها.كما تتضح هيمنة الإله عمّ على الحياة الدينية وباقي الآلهة في مملكة قتبان، حيث كان يتصدر جميع آلهة قتبان، ويُذكر قبلهم في صيغ الدعاء الرسمية منذ القرن السابع ق.م. كما تبين النقوش القتبانية السلطة العليا التي فرضها الإله عمّ على باقي الآلهة القتبانية التي خضعت له، حيث كانت الإهداءات والنذور التي تُهدى للآلهة الأخرى تُقدَّم بإذن منه، كما جاء في العديد من النقوش، منها MuB 746؛ MuB 747. واستمرت مكانته حتى سقوط مملكة قتبان، وحتى بعد ظهور الإله عثتر في صيغ الأدعية في القرن الرابع ق.م، التي ذُكر فيها قبل الإله عمّ، إلا أن ذلك لم يُنقص أو يؤثر في مكانته كإله رئيس للمملكة.وبذلك يتبين أن الإله عمّ هو الإله الرئيس لقتبان، كان الإله الحامي والراعي، وهو من يعمّ الجميع بخيره، واعتبره القتبانيون والقبائل التي كوّنت اتحاد مملكة قتبان الأب الأكبر لهم، ولذلك عُثر في النقوش (ولد عمّ)..# تاريخ الحضارات القديمة# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم