موعدنا كل سبت مع حلقة مميزة من صورة ومصور – سلسلة مقالات للمصور الكبير عماد الفاروق
Richard Avedon
ريتشارد أفيدون (15 مايو 1923 – 1 أكتوبر 2004) مصور أزياء .
يُعدّ ريتشارد أفيدون، صاحب أشهر الصور الشخصية في القرن العشرين، أسطورةً في عالم التصوير.
تُشكّل صوره، التي التقطها لشخصيات عصره، إرثًا فريدًا لا يزال يُلهم عددًا لا يُحصى من المصورين حتى اليوم.
ولم يكن مجرد مصور، بل كان ساحرًا حقيقيًا للصورة. وقد ارتقى أسلوبه، بفن تصوير البورتريه إلى مصاف الفنون الراقية.
مصادر إلهامه الأولى
في قلب نيويورك في أربعينيات كانت الشوارع تنبض بإيقاع موسيقى الجاز، والمقاهي تعجّ بالفنانين، والمدينة مركزًا نابضًا بالحياة الثقافية. في هذا الجوّ بدأ ريتشارد أفيدون، بملاحظة العالم. مسلحًا بالكاميرا التي أهداها له والده في عيد ميلاده العاشر، استكشف هذه المدينة الصاخبة، ساعيًا إلى التقاط روح عصره
كان أفيدون يقص الصور ثم يحاول تقليدها. وبحسب إحدى الروايات، فقد غطى جدران غرفته بصور أزياء من المجلات.
وباستخدام كاميرا كوداك بوكس براوني، بدأ بتصوير والدته وأخته الصغرى. التي كانت أول عارضة أزياء له.
وكما أدرك لاحقًا، كانت أخته الصغرى، لويز، مصدر إلهامه الأول
البيت والمدوسة
بفضل سكنه على مقربة من متحف المتروبوليتان للفنون. هناك، أمضى ساعات طويلة يدرس تماثيل النساء، وقد كان لهذه الأعمال لاحقًا تأثير عميق على تصويره للأزياء.
وكان ولعه المبكر بالمسرح نابعاً من والدته التي شجعت اهتمامه بالفنون.
الحياة العملية والبدايات
بعد تسريحه من البحرية التجارية بدأ العمل كمصور إعلانات في متجر،
لكن طموحه الحقيقي كان الانضمام إلى مجلة هاربر بازار، مجلة الأزياء العالمية الشهيرة.
تقدم للعمل في مجله هاربر بازار في البداية، رفضت المجلة منحه استوديو، فقام بتصوير عارضات الأزياء في الشوارع، والنوادي الليلية، والسيرك، وفي مواقع غير مألوفة،
في عام ١٩٤٦، أسس أفيدون استوديو خاصاً به وبدأ بتزويد مجلات مثل فوغ ولايف بالصور.
أصبح المصور الرئيسي لمجلة هاربرز بازارو منذ عام ١٩٥٠،
استقال أفيدون من المجلة إثر موجة انتقادات لاذعة واجهها بسبب تعاونه مع عارضات أزياء من ذوات البشرة السمراء. وينتقل إلى مجله فوغ.
ثم أصبح المصور الرئيسي في فوغ، وصوّر معظم أغلفة المجلة من عام ١٩٧٣
في عام 1992، أصبح أفيدون أول مصور رسمي في مجلة نيويوركر، حيث ساهمت صوره في إعادة تعريف جمالية المجلة.
أسفرت أعماله التي رسّخت العلامات التجارية مثل كالفن كلاين،وفيرساتشي، وعشرات الشركات الأخرى، عن بعض أشهر الحملات الإعلانية في التاريخ الأمريكي.
من بين سلاسل إعلاناته للأزياء، تبرز أعماله المتكررة مع فيرساتشي،
كما صوّر حملة كالفن كلاين للجينز التي ظهرت فيها بروك شيلدز، البالغة من العمر خمسة عشر عامًا آنذاك.
في حديثها لمجلة “إنترفيو” في مايو 1992، قالت شيلدز عن العمل مع أفيدون:
“عندما يدخل الغرفة، يشعر الكثيرون بالرهبة.
لكن عندما يعمل، يكون مبدعًا للغاية، وحساسًا جدًا. ولا يحب وجود أي شخص آخر حوله أو يتحدث.
أسلوب التصوير
تمكن أفيدون من التركيز على الجوانب النفسية لشخصياته، مستحضراً مشاعرهم وردود أفعالهم. وكان أحياناً يستثير ردود فعل من خلال توجيههم إلى مواضيع حساسة في النقاش أو طرح أسئلة نفسية عميقة عليهم. وبهذه الوسائل، كان ينتج صوراً تكشف جوانب من شخصية موضوعه
كثيرًا ما استخدم خلفيات بيضاء بسيطة للتركيز على الشخص، مما جعل صوره مميزة وساهم في ابتكار أسلوب جديد في عالم التصوير.
العمل التجاري والفنون الجميلة
ويُنسب إليه الفضل على نطاق واسع في طمس الخط الفاصل بين التصوير “الفني” و”التجاري”.
تم التقاط العديد من صور أفيدون الأكثر شهرة لأغراض تجارية. ومن المفارقات أن هذه الصور تحظى بتقدير كبير من قبل هواة جمع الاعمال الفنية مقارنة بالصور التي قام بها أفيدون بهدف إنشاء صور كفنون جميلة. تم اعتبار العديد من صوره التجارية منذ ذلك الحين بمثابة فنون جميلة وعرضت في المتاحف وبيعت في معارض الصور.
العمل مع عارضات الأزياء
مع اقتراب خمسينيات القرن العشرين، وجد أفيدون ساحةً جديدةً للتألق: عالم الموضة.
لكنه لم يكتفِ بمواكبة الصيحات، بل ساهم في تشكيلها وإعادة ابتكارها.
لطالما انصبّ اهتمام أفيدون على الأشخاص، لا على الأزياء. بل إنّ الأزياء كانت تُضيف تعقيدًا إلى ما كان يؤمن به أساسًا، ألا وهو العلاقة بين المصوّر وعارضة الأزياء.
منذ أن بدأ أفيدون تصوير العارضات في منتصف الأربعينيات، كان يحرص دائمًا على سؤالهن عن الموسيقى والطعام الذي يُفضلنه. وقد ساهم ذلك في خلق جو مريح في الاستوديو.
ولطالما لعبت الموسيقى دورًا هامًا في استوديو أفيدون. فلكي يُلهم عارضاته، كان يُشغل الموسيقى باستمرار، وأحيانًا يرقص معهن.
وبينما كان أفيدون يقف خلف كاميرته كانت موسيقى فرانك سيناترا تُصدح من مشغل الأسطوانات القريب.
بعد أن رسخ مكانته كواحد من أكثر مصوري الأزياء موهبة في هذا المجال، صنع تاريخًا في التصوير الفوتوغرافي والأزياء في عام 1955 عندما قام بتنظيم جلسة تصوير في سيرك.
تُعدّ صورة “دوفيما مع الأفيال ” أشهر صور تلك الجلسة التصويرية، حيث تظهر فيها إحدى أشهر عارضات الأزياء في ذلك الوقت مرتديةً فستاناً أنيقاً من تصميم ديور. تظهر دوفيما في الصورة بين فيلين، وقد انحنى ظهرها وهي ممسكة بخرطوم أحدهما بينما تمدّ يدها نحو الآخر.
لقد طور أسلوبًا مبتكرًا ويمكن التعرف عليه على الفور.
أنتج أفيدون صوراً من شأنها أن تترك بصمة لا تمحى على الخيال الجماعي لعالم الموضة.
التحضير
قد تبدو اللقطات مرتجلة، لكن جلسات التصوير التي كان يُجريها بعيدة كل البعد عن العفوية.
كان أفيدون يُكرّس الكثير من الوقت للتحضير: البحث عن مواقع التصوير، ورسم اللقطات المقترحة،
والتقاط صور تجريبية. في يوم التصوير،
كان حماسه الشديد مصدر إلهام بحد ذاته. التحضير الذي كان يُجريه لكل جلسة، ودقته المتناهية – كالمشرط. ثم أسلوبه في الإخراج. شخصيته التي ساعدته على التقاط كل لقطة ببراعة. توقيته.
فنّ سرد القصص
كان يمنح عارضاته قصةً بسيطةً ليتبعنها.
كان أفيدون يتحدث مع العارضات قبل البدء؛ يناقش معهن الشخصيات التي يريدهن تجسيدها والوضعيات التي تدور في ذهنه، بالإضافة إلى سرد القصص التي يريدهن تمثيلها.
تأثير أفيدون
لقد قلد العديد من المصورين أسلوبه الفوتوغرافي على نطاق واسع. فقد صُوّرت أجيال من العارضات أمام خلفيات بيضاء نقية، أو جلسن في المقاهي في لحظات تأمل، متظاهرات بالحب أو الوحدة – كل ذلك بفضل أفيدون.
طوال حياته، حافظ أفيدون على أسلوب فريد في تصوير البورتريه، جمع بين دقة الاستوديو وعفوية التصوير في المواقع الخارجية.
إن اتساع نطاق أعمال أفيدون وإبداعه جعلاه أحد أكثر المصورين تأثيرًا في القرن العشرين.
غيّر ريتشارد أفيدون عالم التصوير الفوتوغرافي بأسلوبه الفريد في تصوير البورتريه والأزياء. فقد التقط صورًا تُظهر جوهر الأشخاص الحقيقي، لا مظهرهم الخارجي فقط. مهّدت أعمال أفيدون الطريق في كلٍ من تصوير الأزياء والبورتريه، مُلهمةً أجيالًا من المصورين والفنانين.
بحلول أواخر الستينيات، كان أفيدون قد عمل لأكثر من عقدين كمصور محترف. وقد أحدثت صوره الرائدة للأزياء الراقية ثورة في عالم الموضة في المجلات، وكانت صوره الشخصية المؤثرة للشخصيات العامة من بين أكثر الصور تقديرًا في العالم.
قالو عنه
—-رغم أن ريتشارد أفيدون اكتسب شهرته أولاً كمصور أزياء، إلا أن أعظم إنجازاته ربما كان إعادة ابتكاره لفن تصوير البورتريه.
—-لقد مر العديد من الشخصيات الثقافية الأكثر شهرة في الخمسين عامًا الماضية أمام كاميرا أفيدون.
—-لطالما تحدّى أفيدون التوقعات التقليدية حول شكل الصورة الشخصية…
من اقواله
الصورة ليست صورة طبق الأصل. ففي اللحظة التي يتحول فيها شعور أو حقيقة إلى صورة فوتوغرافية، لم تعد حقيقة بل رأيًا…
جميع الصور الفوتوغرافية دقيقة، لكن لا واحدة منها تمثل الحقيقة المطلقة.
وإذا مرّ يومٌ دون أن أمارس شيئاً له علاقة بالتصوير، فكأنني أهملتُ شيئاً أساسياً في وجودي، كأنني نسيتُ أن أستيقظ.
التصوير الفوتوغرافي كان دائمًا بالنسبة لي بمثابة مرآة ذات وجهين.
جانب واحد يعكس موضوعي، والآخر يعكس نفسي”،
وقد أسس مؤسسة ريتشارد أفيدون الخيرية خلال حياته.
التقدير والجوائز
خلال حياته، حصد أفيدون جوائز يصعب حصرها، لذا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1985: جائزة مصور العام من الجمعية الأمريكية لمصوري المجلات
1989: جائزة الإنجاز مدى الحياة من مجلس مصممي الأزياء في أمريكا
1989: شهادة دراسات عليا فخرية من الكلية الملكية للفنون
2000: جائزة الإنجاز مدى الحياة من كلية الدراسات العليا للصحافة بجامعة كولومبيا
2003: الجائزة الوطنية للفنون عن الإنجاز مدى الحياة
2003: الميدالية الخاصة بالذكرى المئوية والخمسين للجمعية الملكية للتصوير الفوتوغرافي والزمالة الفخرية
بعد إصابته بنزيف دماغي أثناء مهمة صحفية لمجلة “نيويوركر”، توفي ريتشارد أفيدون في سان أنطونيو، تكساس، في الأول من أكتوبر عام ٢٠٠٤. وقد أسس مؤسسة ريتشارد أفيدون الخيرية خلال حياته.
تنعي صحيفة نيويورك تايمز ريتشارد أفيدون أن “صوره الفوتوغرافية للأزياء والصور الشخصية ساهمت في تحديد صورة أمريكا عن الأناقة والجمال والثقافة خلال نصف القرن الماضي”.


