تُعَدّ قصتهما من أكثر الحكايات شهرةً ورعبًا في العراق، ولا سيّما في القرن العشرين، ويُشار إليهما بوصفهما من أخطر السفاـحين في تاريخ الوطن العربي الحديث.
بدأت فصول المأساة مع رجل يُدعى عبود، كان يعمل طباخًا، وزوجته خجاوة التي كانت تمتهن الدلالة. عاش الزوجان في مدينة الموصل عام 1916، في فترةٍ ضربت فيها مجاعةٌ قاسية العراق، مجاعة وثّقها عدد من المؤرخين، من أبرزهم المؤرخ أحمد الصوفي.
كان لعبود محلّ يبيع فيه الطعام، ومع اشتداد المجاعة وعجزه عن توفير المأكل، بدأ هو وزوجته في ذبح القطط وطهي لحومها وبيعها للناس دون علمهم. لم يشكّ أحد في البداية، لكن الزبائن لاحظوا أن طعم اللحم كان مُرًّا.
لاحقًا انتقلا إلى ذبح الكلاب، وحينها قال الناس إن اللحم صار ألذّ، فاستمرّا حتى قضيا على جميع الكلاب في قريتهما، ثم لم يبقَ قط ولا كلب في الشوارع.
ومع تفاقم الجوع، استدرجا جارتهما العجوز وقاما بالقـ.ضاء عليها وطهي لحمها، لكن كثرة الدهون فيه جعلتهما يتقيآن طوال الليل، فلم يَرُق لهما طعمه.
ومن الجدير بالذكر أنهما كانا يتذوقان اللحم أولًا قبل تقديمه للزبائن، إذ تخصصا في بيع اللحم المقدّد، وهو طبق معروف آنذاك في العراق.
بعد ذلك، استغلا ابنهما الصغير لاستدراج الأطفال الذين يلعبون معه، واكتشفا – في فظاعةٍ لا تُصدَّق – أن لحم الأطفال كان “ألذّ” بنظرهما. وكانا يدفنان العظام في سردابٍ داخل منزلهما.
تشير الروايات إلى أنهما تسببا في مو.ت نحو مئة طفل. وانكشف أمرهما بعد أن لاحظ أحد أقاربهما، الذي كان ضيفًا في البيت، وجود سرداب مليء بالجماجم، فهرب وأبلغ الشرطة.
وفي رواية أخرى، قيل إن أحد الزبائن وجد عظم إصبعٍ صغير في طعامه، فقرّر إبلاغ السلطات.
كما تزامنت تلك الأحداث مع تزايد حالات اختفاء الأطفال في القرية، وبدأ الشك يحوم حول ابنهما، إذ إن كل طفل يذهب للّعب معه لا يعود. عندها التفتت الأنظار إليهما.
أُلقي القبض على عبود وزوجته، وصدر بحقهما حكم بالإعـ.دام، ونُفّذ علنًا في الشوارع أمام أهالي الضحايا.
وعندما سألهما القاضي عن مبررهما، قالا إن الجوع بلغ حدًّا لا يُحتمل، وإنهما بدآ بأكل الحيوانات حتى نفدت، وإنهما كانا يواجهان المو.ت، ولم يجدا خيارًا آخر.
وقد كانت تلك المجاعة فعلًا من أبشع ما عرفه العراق. فقد دوّن الكاتب العراقي عبد العزيز القصّاب في مذكراته أنه شاهد أثناء رحلته بين حلب والموصل جثثًا بشرية ملقاة على الطرقات من شدة الجوع، وعندما دخل قرية تُدعى “مدير قبو” رأى الناس مطروحين على الأرض عاجزين عن الحركة. وكانت مجاعة غير مسبوقة، تفاقمت بسبب الارتفاع الجنوني في سعر الليرة، حتى عجز الناس عن شراء الطعام.
ورغم ذلك، أكّد القاضي لعبود وزوجته أن المجاعة ليست مبررًا أبدًا لتلك الجريمة البشعة. فتمّ تنفيذ حكم الإعـ.دام بهما في ميدان عام، وسط زغاريد وفرح أهالي الضحايا، بعد أن أُركبا على حمارين وطيف بهما في أرجاء القرية.
ويُروى أن امرأة كانت تتشبث بخجاوة أثناء لحظاتها الأخيرة، تصرخ وهي تحاول تمزيق ساقها قائلة:
«اتركوني… هذه أكلت ثلاثةً من أولادي!»
قصةٌ سوداء، لا يبهت رعبها مهما مرّ الزمن، وتبقى شاهدًا على كيف يمكن للجوع، حين يلتقي بالوحشية، أن يصنع كابوسًا لا يُنسى.


