السمسمية الأردنية” اله موسيقية شعبية تحمل صوت البحر الذي لا يغيب عن العقبة
البحر يتحدث نغمًا
السمسمية في العقبة ليست مجرد آلة موسيقية بل رمز للهوية البحرية وتاريخ الصيادين والبحارة، حافظت على حضورها عبر الفرق الشعبية وورش التدريب، وشهدت تطويرًا واسعًا زاد من إمكاناتها. وتبقى جزءًا أصيلًا من ذاكرة المدينة وتراثها الحي.
عمان ـ على شاطئ البحر الأحمر، حيث تتداخل حكايات الصيادين مع نسمات المساء البحرية، ما تزال آلة السمسمية حاضرةً كجزء أصيل من الهوية الثقافية لمدينة العقبة. فهذه الآلة، التي رافقت البحارة منذ عقود طويلة، لم تفقد بريقها رغم مظاهر التحديث والتطور العمراني والاقتصادي التي شهدتها المدينة، بل أصبحت رمزًا للجذور البحرية التي تنبض في وجدان المجتمع المحلي. واليوم، تمثل السمسمية واحدًا من أهم عناصر التراث الشعبي الأردني، ليس فقط بوصفها أداة موسيقية، بل بوصفها “ذاكرة صوتية” تحفظ روح المكان وتورّثه إلى الأجيال.
ارتبطت السمسمية تاريخيًا بالبحارة والصيادين الذين كانوا يحملونها في رحلاتهم الطويلة، فترافقهم ألحانها في ساعات التعب وتدعمهم في مواجهة البحر. كانت الأغاني التي تعزف عليها بمثابة مرآة للمشاعر البحرية المتأرجحة بين الخوف والأمل، وبين الشدة والفرح. وفي الليالي الساحلية الهادئة، كانت السمسمية تجمع الرفاق حولها، فتتحول لحظات السمر إلى فسيفساء من الطرب الشعبي والنغم الدافئ الذي يختلط بصوت الموج، ليعيد للحياة بُعدها الإنساني البسيط والجميل.
ورغم الحداثة العمرانية والازدهار السياحي الذي يشهده ميناء العقبة، فإن حضور السمسمية لم يتراجع، بل أعيد إحياؤه عبر الفرق الشعبية والمهرجانات التراثية التي لا تزال تضع هذه الآلة في صدارة عروضها. ففي الفعاليات الوطنية والمناسبات الشعبية، تُعزف السمسمية كجزء من الطقوس الاجتماعية المتوارثة، لتمنح الجمهور لحظات من العودة إلى الماضي، وتعيد تشكيل ذاكرة جماعية تتشارك فيها الأجيال.
ويؤكد مدير مديرية ثقافة العقبة طارق البدور، في حديث لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن السمسمية ليست مجرد أداة فنية بل عنصر أساسي في الهوية البحرية للمدينة، مضيفًا أن المديرية تبذل جهودًا كبيرة في توثيق هذا الإرث وحمايته من الاندثار. ويشير البدور إلى أن السمسمية دخلت إلى العقبة قادمة من الجزيرة العربية، لكنها اندمجت سريعًا في الثقافة المحلية وأصبحت جزءًا من الوجدان الشعبي، لا سيما أنها آلة سهلة الصنع والتعلم، وهو ما ساعد على انتشارها بين مختلف الفئات العمرية.
وفي إطار جهود التوثيق، عملت مديرية الثقافة بالتعاون مع مؤسسات أهلية على إعداد قاعدة بيانات تشمل أجيال العازفين والمهتمين بالسمسمية، حيث يقدر عددهم اليوم بنحو 60 عازفًا من مختلف الأعمار. ويعكس هذا الرقم حيوية الموروث وقدرته على الاستمرار، خاصة في ظل الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة من خلال مشروع “بيت السمسمية” الذي أُطلق قبل عامين. ويهدف المشروع إلى تعزيز حضور الآلة عبر ثلاثة محاور رئيسية: إعداد منهج تدريسي واضح لتعليم العزف، وتنظيم برامج تدريبية للشباب والفتيات، ودعم العازفين في تطوير مهاراتهم وحضورهم الفني.
وفي الأعوام الأخيرة، نفذت مديرية ثقافة العقبة عشرات الورش التدريبية التي شهدت إقبالًا كبيرًا، خصوصًا من الفتيات اللواتي وجدن في السمسمية مساحة فنية جديدة للتعبير. كما نُظمت ورش متخصصة لصناعة الآلة نفسها، بهدف إحياء مهارة الصنّاع التقليديين وتعريف الجيل الجديد على مكوناتها الدقيقة وطريقة بنائها، بدءًا من الصندوق الصوتي وصولًا إلى المفاتيح والغزالة.
ويبرز بين العازفين المخضرمين في العقبة الفنان سفيان جاسر، الذي يحمل خبرة طويلة تمتد لعقود، ويعد من أبرز من حافظوا على هذا الفن. ويقول جاسر إن السمسمية يجب النظر إليها كآلة تراثية قبل أن تكون موسيقية، فهي تحمل قيمًا ثقافية تعكس حياة البحر وصوت المجتمع البحري. ويرى أن الآلة التقليدية ذات الستة أوتار تتميز بسلم موسيقي محدود يبدأ من “دو” وينتهي عند “لا”، وهو ما يضفي عليها طبيعتها التراثية رغم التطورات الموسيقية الحديثة.
غير أن العقبة لم تقف عند الشكل التقليدي للآلة؛ فقد شهدت السمسمية في الأردن موجة تطوير مهمة في مطلع القرن الحادي والعشرين، قادها مجموعة من صانعي وعازفي الآلة، من بينهم جاسر نفسه، الذي طور نسخة جديدة زاد فيها عدد الأوتار إلى 19 وترًا. هذا التطوير جعل السمسمية قادرة على أداء مقامات متعددة، ووسّع نطاقها الصوتي ليصل إلى أوكتافين ونصف، ما منحها القدرة على الاندماج في الفرق الموسيقية الحديثة، والتحول من آلة شعبية بسيطة إلى أداة قادرة على أداء مقطوعات موسيقية غنية ومتنوعة.
كما تم إدخال تقنيات جديدة تسمح للعازف بتغيير شدّ الوتر أثناء العزف، وإنتاج علامات موسيقية عارضة، مما أضاف للآلة إمكانات أدائية متقدمة وفتح الباب أمام تجارب موسيقية مبتكرة.
ولا يمكن الحديث عن السمسمية دون الإشارة إلى ارتباطها العميق بمهنة الصيد في العقبة. ففي “السَّرحة”، وهي رحلة الصيد اليومية، كانت السمسمية رفيقة الصياد، ترافقه مع الآلات الإيقاعية والصوت الغنائي في تحويل المراكب إلى مسارح عائمة. وكانت الأغاني التي تُؤدى خلال هذه الرحلات تعكس قيم الصداقة والجيرة والتعاون، وتشكل جزءًا من الذاكرة الجمالية للمدينة.
وبين القديم والجديد، تبقى السمسمية صوت العقبة وروحها البحرية، آلة جمعت التراث بالموسيقى، والإنسان بالبحر، لتشكل ذاكرة لا يمكن للزمن أن يمحوها مهما تعددت ملامح المدينة وتبدلت فصولها.
وكالة الأنباء الأردنية (بترا)،


