كانت هذه الآنية الذهبية بقطرها البالغ تسعة عشر سنتيمترًا أكثر من مجرد وعاء ثمين كانت حكايةً مصوغةً من نورٍ أصفر خرجت من قلب الأكربول من حرم معبد أوغاريت في ثلاثينيات القرن الماضي لتشهد على ذائقة مدينةٍ عرفت كيف تحوّل المعدن إلى ذاكرة.على سطحها المستدير يتوالى المشهد كأنه شريطٌ سرديّ غزلانٌ بريةٌ في اندفاعها الخفيف أجسادها ممشوقة أعناقها ممدودة والفرار في عيونها. خلفها عربةٌ تجرّها الخيول ليست عربة حربٍ صاخبة بل مركبة سيطرةٍ واحتفاء يقودها الصياد بثباتٍ ووعي. الخطوط محفورة بدقةٍ مدهشة كل حركة محسوبة وكل انحناءة تحمل معرفة الفنان بطبيعة الحيوان وإيقاع الجسد والسرعة.ليس الصيد هنا مجرد مطاردةٍ للغذاء بل طقسٌ رمزيّ: الإنسان في مواجهة البرية والنظام في حواره مع الفوضى والمدينة وهي تعلن قدرتها على الترويض دون أن تفقد احترامها لقوى الطبيعة. وجود الآنية في المعبد يشي بوظيفتها الطقسية ربما كانت تُستخدم في سكب القرابين أو في احتفالاتٍ مرتبطة بالخصب ودورة الفصول حيث يتقاطع المطر مع الخصب والذهب مع الدعاء.تتجلّى في هذه القطعة روح أوغاريت الكوزموبوليتية المبكرة: عربةٌ تعكس اتصالًا بثقافات الشرق والبحر وغزلانٌ من بيئة الساحل والجبال وصياغةٌ تقنيةٌ رفيعة تشير إلى ورشٍ متقدمة ومعرفةٍ متراكمة. إنّها شهادةٌ على مدينةٍ كانت ترى في الفن لغةً موازية للكتابة وفي الزخرفة وثيقةً لا تقل شأنًا عن الرقم الطينية.وحين استقرّت الآنية في متحف اللوفر في باريس (رقم AO 17208) لم تغادر أوغاريت تمامًا بل بقيت روحها معلّقةً في المشهد المنقوش تنقل لمن يتأمّلها همس مدينةٍ عرفت الصيد كفن والذهب كذاكرة والطقس كجسرٍ بين الإنسان والآلهة.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
#مجلة ايليت فوتو ارت.

