دراسة نقدية تحليلية لقصة: “نبوءات” للكاتبة المغربية نعيمة السي أعراب Naima Essiarab
الكاتب محمد الطايع
تقديم:
"اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!"، ولأنك لا تبصر أمامك، فمن غير المستبعد أنك مستغرق في النظر خلفك، مما يعرضك للاصطدام بما سوف يكون أمامك. فأنت بهذا تعيش حالة تصادم دائم مع مستقبلك، وكان من باب الحكمة لو تترك الماضي للماضي، فتعتبره درساً، ثم تتفرغ بكامل وعيك لما هو قادم.
بين سطور قصتها القصيرة المنشورة حديثا، والتي تحمل عنوان "نبوءات"، ترسم الكاتبة المغربية نعيمة السي أعراب خارطةً بالغة الذكاء والتعقيد، لتجديد عهد القارئ مع الدهشة، وهي ترفقها بسجلات ذاكرة الراوي الحميمية، تزامناً مع ما ينبغي الاحتفاء به بخصوص الشكل الهندسي للبناء السردي للنص والطرح الغريب والعجيب الراصد لوقائع فوق العادة، سجلات كادت أن تكون محض هلاوس، لولا سبق التحذير وفضيلة أو رغبة إثارة الانتباه.
_ المدخل الأول: السرد والتقنية:
بما نروم من موضوعية، نسجل انطلاقاً من تاريخ ولادة قصة "نبوءات" للكاتبة نعيمة السي أعراب، أنها جاءت في مرحلة ذات خصوصيات معلومة أدبياً ونقدياً، ثم نعترف أن هذه القصة ابنة شرعية لهذه المرحلة المتسمة بالتعقيد الفكري المفرط، سواء تعلق الأمر بتاريخ نشرها، أم من خلال رصد ميزاتها التي تشهد لها بثبوت هذا النسب.
من خلال الرصد والمتابعة والتقييم لحقل الكتابة السردية المغربية الراهنة، نرى أننا نعاصر ثلة كتاب شغوفين بسرودهم، مصطفين فيما يشبه مضمار منافسة نزيه ومفتوح، يلهب حماسة أقلامهم المبدعة ودوافع القراء. وهو حسب اعتقادي، الظرف الأنسب لإدراج اسم الكاتبة نعيمة السي أعراب ضمن قائمة ذهبية، تتشابه فيها الأسماء وتختلف قليلاً حسب تنوع مفاهيم التقييم، فنشير أن اسم نعيمة السي أعراب، خاصة إذا تعلق الأمر بقائمة أسماء الإناث الكاتبات، علامة جودة مسجلة بحضورها ذاتاً مبدعة، أو وقوفها خلف كلماتها، في مقام جميل الالتباس، يكون التواري خلاله أقوى أثراً من الظهور.
ثم ننتقل بعد هذا للتنبيه، إلى تزايد وعي كتاب القصة القصيرة في المغرب، بأهمية الاجتهاد من أجل تجديد وتنويع أشكال البنى السردية بذكاء وتمرد على ما هو كلاسيكي متجاوز، من ذلك الصنف المضخم للظواهر، المدافع عن الإيديولوجيات التي تفسد الأدب كلما ركبته أو ركبها. هي أصوات جادة تكافح جاهدةً لتحفر كلمتها على حائط الاعتراف ببصمتها المختلفة، ضد النسخ والاجترار، مؤيدةً بتراكمات سردية منشورة ضمن كتب مجاميع قصصية، وعلى صفحات جرائد ومجلات ثقافية ورقية وإلكترونية. حرصاً من لدن هؤلاء الموهوبين على الرقي بالمستوى اللغوي لنصوصهم، من خلال استعمال مفردات أصيلة تراثية، ونباهة استغلال المعجم اليومي المؤازر لشرط المصداقية، مع حرصهم على سلامة اللغة وعلى تنويعات استعمالها؛ في جمل وأساليب بارعة التكثيف، تتجنب الإسهاب الوصفي والتأويل الساذج، معتبرةً صناعة الدهشة دليل حرفنة، مع فضيلة الانتصار للوعي الثقافي الجماعي المتفق عليه بأكثر من صيغة، لما يشبه بنود جديدة لفن كتابة القصة، منها قاعدة تقول: "القصة ليست مجرد حكاية تروى". والظاهر أنها أضحت سنة مؤكدة لهذه المرحلة، رغم كونها محض اقتراح، فهي ملزمة لا يتحمل وزر تركها إلا من لا يهمه أن توصف كتاباته بالعزف النشاز. هذا إن لم يكن قارئاً مُقِلا، أو شبه مثقف، أو نصف موهوب. هذه البنود التي نالت إجماعاً، لم تطرح للتداول عبثا، لأن غايتها رفع معايير الجودة عموما والتفرد أحيانا. هذا ولا تتنكر هذه النصوص القصصية لواقعها، مثلما لا تكتفي بمحاكاته، رغم اعتماد جلها على رصد أحوال الأمة المعيشية ونكساتها وطموحاتها، جاهدةً تمارس أشكال التجريب السردي، معززاً عند بعض الكتاب من ذوي النظرة الاستباقية، بنظريات علمية فائقة الدقة، وأخرى تجعل من العجيب والخارق مرآة رمزية، أو وسيلة تحليل لحالة اللاوعي الفردي أو الجماعي، أو من أجل تمرير رسائل ذات بعد إنساني، أو ثقافي يعتبر التناص فعالاً لدمج متعة القراءة بفائدة المقروء، ومنها أيضاً نصوص تكتفي بتكريس القيم الجمالية، دون أن تغفل عن محاورة ذاتها في العديد من النماذج، بل وحتى التمرد عليها، كما هو حال القصص ذات الطابع الميتا سردي.
من خلال تأملنا الدقيق لقصة “نبوءات” للكاتبة نعيمة السي أعراب، نرى أن مصطلحات نقدية مثل: “سرد حلزوني، سرد دائري، سرد انتقالي” تناسبها، وهي توصيفات متداولة لا تتهم بتقصير. لكنني أود أن أضيف لهذه المصطلحات الإجرائية صفة “الدورات المتداخلة”، وذاك أن المشهد الأول الذي تبدأ منه القصة، المعلوم بزمن ومكان وقوع حدث اصطدام الراوي بعربة نفايات، هو قاعدة انطلاق كل خطوط السرد الأخرى المتتابعة، ثم يكون الرجوع إليه بعد كل مشهد استرجاع، مما يجعله مشهداً أساسيًّا، يشبه قاعدة مبنية على أرضية صلبة، تحمل النص بأكمله.
_ المدخل الثاني: الطرح الجوهري:
من الملاحظات الضرورية، تجذر الإشارة أن المشهد الافتتاحي للسرد الفعلي في قصة "نبوءات"، هو مشهد جوهري ومؤسس. من سيماته أته شديد القرب من الزمن الحاضر، وذاك أن الكاتبة استهلت حديثها عنه بكلمة "اليوم"، دون أن تستعمل أفعال المضارعة، مثل: "أسمع، أفيق، يتراءى لي...". فهي تقول على لسان الراوي: "سمعت، أفقت، تراءى لي"، مما يعني أن السرد ابتدأ بعد وقوع تلك الأحداث بوقت قصير. هذا ولن نشرد عن وجوب التنبيه أيضاً أن كل طلعات السرد، التي انطلقت من تلك الواقعة الأساسية، كانت تسير في اتجاه الزمن الماضي. فليست هناك أي قفزة نحو الزمن القادم. حتى عندما بدا ذلك محتملاً في الفقرة الأخيرة من النص، عندما أشار الراوي، إلى فستان أحمر يخص جارة لم يحدث بعد معها ما يستحق الذكر. وذاك أن الكاتبة اكتفت بفعل الماضي: "لمحتُه"، لكنه ماض قريب، فهو مشار إليه بجملة: "هذا الصباح"، وذلك بعد فعل: "برقت". مما يعني أنه ماض لصيق بقاعدة السرد الأساسية.
ترى لماذا لم تستعمل الكاتبة صيغة المضارع؟ فتقول مثلا: "تبرق" بدل "برقت"؟ ولماذا لم تفتح قوساً على الزمن القادم، ما دمنا نصل إلى تأويلات النبوءات بعد، وليس أثناء أو قبل النبوءة؟ النص يتحدث باسم النبوءات، والنبوءة غالباً ما تبتدئ في عرف اللغة بحرف استقبال أو أداة الاستقبال سوف. فما الذي دفع الكاتبة لتقف موقفاً يبدو أشبه بامتناع مقصود عن استعمال أفعال وصيغ الحاضر والمستقبل، رغم وجود ما يجيزهما، واكتفاؤها بأفعال الماضي القريب والبعيد نسبيًّا؟ فكأن غايتها من كل هذا، إبعاد أي شك بخصوص حتمية وقوع هذه الحوادث التي تعمل عمل تحقيق النبوءات، كأن الأمر يتعلق بما يشبه تكريساً سرديًّا لأزمة سيزيف الأسطوري، وذاك أن وقوع العكس غير وارد إطلاقاً.
هذا الأسلوب السردي يذكرنا بالصيغ البيانية القرآنية في ذكر أخبار الزمن القادم مثل القيامة ويوم البعث، حيث يصفهما القرآن الكريم، باعتباره حامل النبوءات التي يستحيل عدم تحققها، كما لو أنها أخبار زمن سابق، لا خلاف حولها.
لكننا ومن أجل السعي وراء المزيد من الدقة، نتساءل هذه المرة، أي الأزمنة أكثر وثوقاً وهي تُسرد؟ وأي السرديات أقرب للحقيقة؟ هل الأصدق ما يتعلق منها بالتاريخ والأزمنة الماضية؟ أم أن المصداقية أضحت في معزل عن فعل التفاضل بين زمن وزمن آخر؟
قبل عشرين سنة، كان من البديهي في عرفنا أن الخبر اليقين أقرب للزمن الماضي، فهو محسوم، بينما تظل صحة خبر الحاضر والمستقبل معلقة وموضع شك. هذه كانت قاعدة تؤمن بها عقول ملايين البشر حول الأرض قبل الانفجار المعلوماتي الحاضر، ربما قبل عقدين من الزمن، عندما كانت الحقائق بديهيات، عكس اليوم حيث سقطت جل المفاهيم جملةً وتفصيلاً. فصرنا نشك في كل ما وردنا من أخبار السلف من سير وحروب وظواهر عالمية، واقعين تحت أثار صدمات متوالية تُشهدنا سقوط أصنام المطلق ومناهج الفهم الواحد.
بعدما كان من نافل الشرح قولنا: لما حصر الله عز وجل القدرة على معرفة الغيب بعلمه، لم يقصد الزمن القادم فقط، إنما يعود ذلك الحصر على الأزمنة الغابرة أيضاً.
﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رِبِّي ولا يَنْسى﴾ سورة طه، الآيتان 51-52
من هناك انطبع في وعينا أن النبوءة التي جاء بها الإسلام والمسيحية واليهودية، نبوءات تحمل براهين صحتها بين يديها وليس من خلفها، فكانت قصصُ الأقدمين لغاية العبرة والاستئناس، بينما أُريد من النبوءات أن تُحقق مرتبة اليقين من الوقائع المصيرية التي لم تحدث بعد.
في عصرنا الحالي، بات الحديث عن الأخطار القادمة أقرب للتصديق من الأحداث الماضية، فلا أحد يحملها على محمل الهزل، منها تلك التوقعات الواردة بخصوص أخطار أسلحة الدمار الشامل والكوارث الطبيعية وهيمنة الذكاء الاصطناعي وندرة الماء وارتفاع حرارة الأرض ونقص الموارد الطبيعية. بينما انقسمت آراء الجميع بين مكذب ومصدق لِما هو مُسجل في كتب التاريخ، مع سيل هائل من التشكيك في الروايات والمرويات السابقة.
ولكي نعتمد على هذه التجميعات في تحليلنا للنص موضوع الدراسة “نبوءات” للكاتبة نعيمة السي أعراب، سوف نلاحظ أنها تتحدث عن نبوءات ترى أن تحققها أمر لا شك فيه، ما دام رهيناً بأوقات لاحقة لموعد التنبؤ. هنا نُسجل تطابق رؤية الكاتبة مع المفهوم العام والشامل لأغلب نظريات الفكر العالمي اليوم فيما يخص مصداقية النبوءات، كل النبوءات (الدينية والعلمية والسياسية). مما يحسب لها هذا النبوغ، والقول: الراوي في قصة “نبوءات”، للكتابة نعيمة السي أعراب، تجسيد حي ورمزية واضحة لحالة المواطن العربي اليوم، والذي لا يبذل أي مجهود للخروج من دائرة تكرار أزماته، ربما لأنه يراها تحقيقاً لنبوءات لا جدال حولها، أو لأنها أزمات تعاش داخل منظومة متحكم فيها من طرف قوة عليا.
باستثناء حديث والدة الراوي، لم تأت النبوءة على شكل كلمات، بل جاءت مجسدة من خلال حوادث سير، وهو أمر غير متداول في عالم الوقائع الخارقة، ولو في سياقات ضيقة. فهذه نبوءات يصعب ملاحظتها، لولا نباهة الراوي الذي تساءل في الأخير إن كانت هذه الاصطدامات تحذيرات كان عليه أن يعمل بها.
بالفعل والحركة، تستأنف النبوءة بعدما انطلقت على عهد الأم، شفاهيةً مرة وحركيةً مرة أخرى إشارةً لذراعيها المُنقذتين، فكان قولها استنتاج مباشر لتتبعها لسلوك طفلها، مما يجعلنا نسلم قياساً على ذلك أن مبعث هذه الحوادث نفسها هو سلوك الراوي نفسه، والذي يعترف بنزوعه الدائم للشرود. لولا نمطية هذه الحوادث وتشابهها مع أوصاف الإناث اللواتي يُفترض أنها جاءت لتحذره منهن، لاكتفينا بالقول إن تلك النبوءات مجرد صدى ارتدادي يُمسرح بشكل مادي مسار علاقات قادمة. فإن قلنا إن سبب الشرود تفكير الراوي في نهايات علاقاته السابقة وانغماسه وجدانياً في ماضيه العاطفي، وجدنا أنفسنا أمام تجربة فيزيائية غريبة من نوعها، تشبه تلك الأسئلة التي تدور حول إمكانية السفر عبر الزمن، لكي نعرف أيهما يؤثر في الآخر؟ ومع أن البداهة تقول “الحاضر ابن الماضي، والحاضر أبو المستقبل، والأحداث المعاشة كلها نتائج تصديق لتقدم الزمن بشكل عادي إلى الأمام”، فإن بعض الظواهر الخارقة، مثل النبوءات وظاهرة (déjà vu)، تضطرنا مراراً للتساؤل إن كان بعضُ ماضينا نِتاج مستقبلنا.
_ خاتمة:
في نهاية هذه القراءة النقدية، والتي يُربكني أن تكون أطول مما يجب، أود الإشارة أن ما ذكرتُه عن خصوصيات السرود المعاصرة عند نوابغ كتاب القصة القصيرة في مغرب اليوم، أعفاني نسبياً من الوقوف على كل مميزات الكتابة عند المبدعة نعيمة السي أعراب، فهي كما ذكرتُ واحدة منهم، وهم جميعاً سائرون على خط التجديد في الأنساق والأشكال واللغة والمواضيع. هذا ولن أبخس نفسي حقها، ما دمتُ قد وقفتُ على بعض خصوصياتها في عدة فقرات في المدخل الأول.
ثم أصل إلى خلاصة مفادُها أن الأديبة نعيمة السي أعراب، كتبت هذا النص “نبواءات” بنوع من التطرف الحاد تجديداً وتجريباً، وهي تطرح نظرية نبوءات خاصة، ليست كعموم النبوءات، فهي قدر لا مهرب منه، كما أنها ليست من جنس المُتنبئ به. مما يضعنا أمام سؤال علمي، يُحسب لها شرف إثارته، هل يعقل أن نعيش وقائع قد نراها عادية، بينما تفرض علينا الحكمة والنباهة وبُعد النظر أن نتدبرها بدقة وإنصات وجِدية، لنرى إن كانت أكبر وأخطر وأعمق مما هي عليه ظاهريا؟ هذا الطرح تحديداً هو ما يجعل قصة “نبوءات” معاصرة بشكل حداثي لوقتنا الحالي، حيث طغت على منابر العلم وميادين التفلسف والبحث والسؤال، واستأثرت بوعي العامة والخاصة، النظريات العلمية الصادمة والاكتشافات اللامتوقعة والتأويلات غير المسبوقة، حتى بدا أننا نعيش مرحلة انتقالية صعبة ومعقدة وعميقة إلى حد بعيد، وأن نلحظ تأثيرها على كاتبة قصص قصيرة، فذلك يلزمنا أن نُقِر لها بالنبوغ، ثم نخاطبها قائلين: “نعم أستاذة نعيمة، إن الأسئلة الراهنة التي نطرحها حول واقعنا ومتخيلنا اليوم، تشبه نبوءة محققة عن دنو عصر جديد، سوف يرغمنا على التماهي معه، شئنا أم أبينا، وحتى الآن، لا أحد منا يمتلك إجابات كاملة أو نهائية!
القصة:
نبوءات
” اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!”، تردد التحذير في أذني تماماً كما كان يحدث في طفولتي كلما أوشكتُ على الاصطدام بشيء، قبل أن تستدركني أمي مُلتقِطةً إياي لِتنقذني كعادتها من الخطر. تحذيرها ذاك استمررتُ في سماعه حتى بعد وفاتها بسنوات، حتى بعد غياب ذراعيها المنقِذتين، فصِرتُ أتلقى الضربة تلو الأخرى كالقدر المحتوم.
اليوم أيضاً لما سمعتُ هذا التحذير، كان الأمر قد قُضي حيث أفقتُ من شرودي على صوت ارتطام؛ وبعد رمشتين أو ثلاث، تراءى لي مشهد لم أستوعبه. بحركة من استيقظ من حلم ضبابي على واقع مزعج، نفضتُ يديَّ مما علق بهما من مواد لزجة أزكمت أنفي نتانتُها، ورفعتُهما لأُبعد قشور طماطم كانت تُطل عليَّ من خلال إطار نظاراتي، حاجبةً عني الرؤية بوضوح؛ ثم نظرتُ مجدداً أمامي لأجد عربة نفايات يجرها حمار، يبدو أنها صدمتني للتو!
بين دماغي وقدميَّ وحواسي، اشتعل فتيل خصام وتبادل تهم، إذ كيف غاب التنسيق بينهم ليسمحوا لي بالابتعاد في مشيي، دون وعي، حتى وصلتُ إلى مطرح النفايات، وكان من المفروض أن تنبئني الرائحة العطنة المحلقة في أجوائه، أو ينبهني نهيق الحمير المنتشرة في أطرافه؟!
خفضتُ يديَّ في حركة بين الحيرة والاستسلام، وشرعتُ أُعدد حوادث السير التي اعترضت طريقي منذ بداية العام… فَعَلا في الجو خوار بقرة، ترعى قرب كومة زِبالة، لِيُطوح بي إلى السهول المترامية خارج المدينة، حيث كنت أسوق سيارتي على مهل عبر طريق جانبية، قبل أقل من سنة، أملي العين بالخضرة الممتدة على أطراف البصر، حتى أخذتني لحظة شرود بعيداً في تأملاتي. كيف لا وبالي كان مشغولاً بموضوع ريحان!
آه من ريحان… الفتاة اليافعة التي افتتنتُ بجمالها وصباها. عنفوان ومرح طفولي، ضحكات رنانة، نظرات تجمع بين البراءة والشقاوة، حماسة واندفاع، كلها سِمات كانت تدفع بالدم في شراييني وتشعرني ببالغ الزهو والانتشاء.
ما كنتُ لأفكر في مفارقتها لولا حِدة طِباعها التي مزقت أوتار أعصابي وانقطع معها حبل صبري؛ العناد والغيرة الزائدة مع الغضب لأقل الأسباب، التسرع والتهور في كثير الأحيان. حسمتُ أمري وقررتُ قطع علاقتي بها حفاظاً على سلامة عقلي… أجل، هكذا عاهدتُ نفسي وطفِقتُ أطيب خاطري وأمنيه بالعوض الجميل، حتى وجدتُني في اصطدام مع سيارة بعدما تجاوزت بالخطأ علامة الوقوف عند تقاطع طرقي. لم تكن الخسائر كبيرة من جهتي بفعل السرعة البطيئة التي كنت أقود بها؛ بينما في الجهة الأخرى، ظهرت الضربة أقوى مع انبعاج الهيكل وتحطم الزجاج الجانبي الأيسر؛ كما رصدت عيناي عدة انبعاجات وخدوش عميقة على الأبواب، شاهدة على حوادث سابقة لم تُصلح قط، فيما كان الصدأ يغطي مِساحات كبيرة من السطح المعدني، وتتقشر صبغة اللون القديمة لتكشف عن صفائح حديدية متآكلة، تآكلت معها مدخراتي بعد توصلي بفاتورة التأمين التي شملت تجديد تلك الخردة بِمُجملها على حسابي!
رفعتُ يدي لأتحسس حافظة النقود في جيب قميصي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وحادثة اليوم. ثم ما لبث هدير محرك، مُنبعِث من مصنع متاخم لمطرح النفايات، يقفز بي على متن دراجتي النارية، حيث خرجتُ للتنزه منذ أقل من شهر، مع نسيم صباح بارد أخذ يلفح وجهي، ويتسلل رويداً إلى محرك أفكاري الذي بلغ به الدوران إلى حد الغليان. كيف لا وبالي كان مشغولاً بموضوع جِنان!
آه من جِنان… آه من جِنان ومن جنون جِنان… خِلتُها المرأة الناضجة والمجربة التي ستكون لي حضناً وملجأً بعدما تعبتُ من غراميات اليافعات، سريعات العطب وغير المتفهمات. وما كنتُ لأهجرها، رغم السنوات التي تكبرني بها، لولا جنونها المستبد بشكلها، وجموحها وهوسها بعمليات التجميل التي أثقلت كاهلي بتكاليف ترميم نصف جسدها. أجل هجرتها، وكانت، لو لم أهجرها، ستهجرني حالَما أعجزُ عن دفع المزيد لإعادة ترميم النصف الآخر من جسدها!
هكذا كنتُ أواسي النفس وأمنيها بالعوض الجميل، حتى أفقتُ فجأة على زعيق سيارة توقفت عجلاتها بمحاذاتي، بعدما احتك هيكلها بهيكل دراجتي التي مالت وأسقطتني معها ارضاً. نهضتُ مترنحاً واقتربتُ أتفحص جانب السيارة الفارهة التي أسرتني بلونها الذهبي وشكلها الانسيابي. وما كدتُ أمد يدي لألمس الخدش الظاهر على سطحها، حتى فاجأتني قبضة قوية من الخلف سحبتني من ياقة قميصي، وأدارتني لأتلقى لكمة مباشرة على الوجه!
رفعتُ يدي لأمسح مكان اللكمة على خدي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وظروف حادثة اليوم… من المؤكد أني خرجتُ بعد العصر لممارسة هواية المشي. وربما اتجهتُ إلى حديقة عمومية اختارتها قدماي للتنزه بين أرجائها. ولعلي كعادتي أثناء المشي، استغرقتُ في التفكير. كيف لا وبالي مشغول بموضوع وِجدان!
آه من وِجدان… آه من هذا الاسم الذي نزل على أذني مثل النغم، وأنا أسمعه ليلة أمس في حفل أحد أصدقائي، فالتفتُّ لأرى صاحبته، وما كنتُ أتوقعها ستسلب وِجداني! آه يا وِجدان… مُشِعة مثل نجمة، اجتمع فيها الشباب والحسن والرقي، بينما بريق الشعر الذهبي ومنحنيات القوام الانسيابي أعمَوني عن بريق خاتم الخطوبة المشِع في أصبع اليد اليمنى، وجعلوني أستعجل التعرف على التي عصفت بوِجداني. دنوتُ هامساً: “يا آنسة!”، ولما لم تلتفت، مددتُ يدي نحو كتفها كي أنبهها، لكن ما إن لامست أناملي البشرة الناعمة حتى اخترقتني صعقة كهربائية اهتز معها كياني، واجتاحتني إثرها موجة من الأحاسيس اللذيذة؛ موجة جعلت قلبي يتأرجح على سطحها مثل راكب أمواج مبتدئ. أما الشعر الذهبي، فتصوَّر لي كثبانَ رمل على شاطئ أحلامي. تماديتُ وتماديتُ، وطمعتُ في التقاط إحدى خصلاته أنعمُ بمداعبتها، وما إن أمسكتُها بين أصابعي حتى شعرتُ بقبضة قوية من الخلف تسحبني من ياقة قميصي، وتدفعني بعيداً مع سيل من الشتائم ينهال على مسامعي!
رفعتُ يدي لأُصلح ياقة قميصي، فأعادتني الرائحة النتنة الملتصقة بأصابعي إلى الحاضر وحادثة اليوم. خفضتُها ثانيةً ومعها بصري لأزيل ما تبقى من أوساخ عن قميصي. وإذا بالحيرة تستبد بي، وأنا أحاول ربط الوقائع فيما بينها، متسائلاً عن معنى حوادث السير التي تتربص بي عند كل منعرج شرود خطير، وتزداد سوءاً حتى انتهت بي إلى عربة النفايات؛ حوادث لم تُنقذني منها تحذيرات أمي، أمي التي كانت تربط بين الحوادث والنساء!
آه يا أمي، ليتك هنا معي، بكامل حضورك ونباهتك، لِتُزيلي الغشاوة عن عيني وتُنيري بصيرتي!
صدرت عني تنهيدة طويلة شكوتُ فيها عجزي وقلة حيلتي، ثم بحركة آلية، نفضتُ يديَّ وخلعتُ نظاراتي لأزيح عنها قشور الطماطم التي بقيت عالقة بإطارها، بينما برقت في ذهني صورة فستان أحمر لمحتُه هذا الصباح منشوراً على حبل غسيل جارتي اللعوب!


