يحيى الفخراني .. سادنُ هيكلِ الإبداع .. وحكيمُ الدراما في زمنِ المتغيرات

بقلم د.نادي شلقامي 

“ما من فنان عاش في زمن إلا وكان الزمن جزءاً من أدائه، لكن من يُغيّر الزمن هو من يصنع الخلود.”

في تاريخ الدراما العربية، تظل الأسماء اللامعة محفورة في ذاكرة الجمهور، لكن القليل منهم فقط من يتحولون إلى “ظواهر” فنية تتجاوز حدود الشاشة لتصبح جزءاً من الوجدان الجمعي. يأتي الفنان القدير يحيى الفخراني في طليعة هؤلاء، فهو ليس مجرد ممثل أتقن حرفته، بل هو “مدرسة” في الأداء، و”فيلسوف” الدور، و”طبيب” النفوس البشرية التي يتعامل معها على الشاشة.

يُعد الفخراني نموذجاً فريداً في الثقافة العربية، حيث يمثل حلقة الوصل بين أصالة الماضي الفني وحداثة الحاضر. إنه “سيد المتغيرات” بامتياز، فبينما ظل آخرون أسرى لشخصية واحدة أو قالب درامي محدد، استطاع هذا الرجل الذي حمل يوماً ما حقيبة الطبيب أن يحمل بعدها قناع “الباشا”، و”المهمش”، و”المجذوب”، و”الأجنبي الباحث عن النور”، ليؤكد أن الفن الحقيقي هو فعل تجاوز دائم للذات. وكأن الزمن نفسه، الذي يُبلي الوجوه ويُمحي الأسماء، قد استسلم له، فصار يحيى الفخراني “قرين الزمن” الذي لا يُقهر، ينحت في كل دورٍ تمثالاً خالداً يشهد على تحولات المجتمع المصري منذ عصر الباشوات حتى عصر الرقمنة.

الموضوع — من قاعة التشريح إلى كواليس الإبداع

أولا… الجذور والنشأة (ميلاد العقل الناقد):

1- وُلد محمد يحيى الفخراني في السابع من أبريل عام 1945 في قرية ” تمي الأمديد” بمحافظة الدقهلية (قرب المنصورة)، لكن القاهرة هي التي احتضنت روحه وصقلت موهبته.

— نشأ في بيئة متوسطة الحال، لكنها غنية بالقيم، فكانت عيناه — كما عيني الطبيب — تُشرّح التناقضات الإنسانية في الشارع المصري: الضحكة خلف الدمعة، والكبرياء خلف الفقر، والحكمة خلف البساطة.

— مما منحه القدرة على ملاحظة التفاصيل الدقيقة للطبيعة البشرية المصرية بكل تناقضاتها.

— كان الفخراني مثالاً للطالب المتفوق، فلم يكن شغفه بالفن على حساب واجباته الدراسية، بل كانا مسارين متوازيين حتى اللحظة الحاسمة.

2- المفارقة الخالدة (الطبيب الذي تخلى عن المشرط):

— في عام 1971، تخرج الفخراني من كلية الطب جامعة عين شمس حاملاً شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة.

— عمل لفترة وجيزة كطبيب عام، وكان ينوي التخصص في الأمراض النفسية والعصبية ــ وهي نية تكشف الكثير عن طبيعة تفكيره وعمقه النفسي.

— لكن القدر كان له رأي آخر.

— لم تكن حكاية “طبيب تخلى عن المهنة” مجرد قصة إعلامية للترويج، بل كانت البنية التحتية لتكوينه الفني.

— فـ الطبيب يبحث عن العلة، والممثل الحقيقي يبحث عن الدوافع.

— أتاح له هذا التكوين العلمي الأدوات اللازمة لـ”تشريح” الشخصيات التي قدمها لاحقاً، فكان قادراً على فهم تعقيدات النفس البشرية كما يفهم الطبيب تعقيدات الجسد.

— هذه المفارقة بين الطب والفن منحت أدواره عمقاً استثنائياً، وحساسية فائقة، جعلت كل شخصية تتحرك أمام المشاهد وكأنها حقيقية على نحو مؤلم وجميل في الوقت نفسه.

ثانيا…المشوار الفني..رحلة العبور بين المسرح والسينما والتلفزيون

1- البدايات (خشبة المسرح نقطة الصفر):

— بدأ الفخراني مسيرته الفنية متأخراً نسبياً عن أقرانه، لكنه كان واعياً.

— كان المسرح هو محطته الأولى، وبالتحديد في جامعة عين شمس حيث حصل على جائزة أحسن ممثل على مستوى الجامعات المصرية.

— انطلاقته الاحترافية كانت على خشبة المسرح القومي من خلال مسرحية “لكلٍ حقيقته” المقتبسة عن بييراندللو، مما يدل على ذائقة فنية رفيعة منذ البداية.

— ولم تكن خشبة المسرح القومي مجرد بداية، بل كانت “مختبره الأول لتشريح الإنسان”.

— ومن أبرز تجاربه التي أصبحت أيقونة في تاريخ المسرح المصري: تقديمه لشخصية “الملك لير” في شكسبير ثلاث مرات (آخرها إحياء في 2025 على مسرح الدولة)، حيث جسّد الشيخ الذي يفقد مملكته ويجد نفسه — تماماً كما يفقد الفنان قناعه ويجد جوهره.

— كان صوته يرجّ المسرح، وكأن الزمن يهمس في أذن الجمهور: “هكذا تنتهي العظمة… وهكذا تبدأ الحكمة.”

2- السينما (من “آه يا ليل يا زمان” إلى السينما المستقلة):

— اقتحم الفخراني السينما عام 1977 عبر فيلم “آه يا ليل يا زمان” أمام كوكب الشرق وردة الجزائرية. —-لكن السينما لم تكن حاضنته الأساسية رغم مشاركاته المهمة في أفلام مثل “الكيف” (1985) و”البركان” (1990)، وفيلم “عمارة يعقوبيان” (2006) حيث أدى دور الراوي بصوته الذي تحول إلى “شخصية مستقلة” بحد ذاته، مما أضفى على الفيلم بعداً ملحمياً وروحياً.

2- التلفزيون (عرش الدراما الذي لم يهتز)

يظل التلفزيون هو مملكته الحقيقية.

2-1- ليالي الحلمية (1987 – 1995): من المستحيل الحديث عن الفخراني دون ذكر سليم البدري باشا. جسد سقوط طبقة الباشوات وصعود طبقة جديدة، وقدم إنساناً منهكاً، معقداً، يعيش صراعاً داخلياً بين ماضيه الأرستقراطي وحاضره المتغير.

2-2- مسلسل “لا” (1996): بعد أن توقع النقاد أن يظل أسيراً للرداء الأبيض، فاجأهم بشخصية عبد المتعال محجوب، الموظف المقهور. حتى وصفه الأديب مصطفى أمين بأنه جسد شخصيته كما لو كانت منه.

2-3- الخواجة عبد القادر (2012): دور هيربرت دوبيرفيلد الأجنبي الباحث عن الحقيقة في صعيد مصر، حيث مزج بين اليأس الإنجليزي والصبر الصعيدي، مع موسيقى عمر خيرت وأشعار الحلاج.

2-4- نجيب زاهي زركش (2021): قدم شخصية الأب في عمل كوميدي اجتماعي يلامس الواقع بحساسية عالية.

2-5- مسلسل “عتبات البهجة” (2024): عاد بدور “بهجت الأنصاري”، ليثبت أن “سيد المتغيرات” لا يزال قادراً على أن يُدهش الجيل الجديد بنفس الصدق الذي أدهش به آباءهم.

ثالثا…السيرة البرلمانية والشخصية:

( الفنان الرقم الصعب)

— في أكتوبر 2020، أدى الفخراني اليمين الدستورية كعضو في مجلس الشيوخ المصري بتعيين رئاسي، ليكون صوتاً للفن والثقافة في قبة البرلمان.

— هذا التكليف يعكس مكانته ليس فقط كفنان، بل كـ “قيمة وطنية”، تربط بين الثقافة والسياسة والفن.

— على الصعيد الشخصي، يشكل الفخراني مع زوجته الدكتورة لاميس جابر نموذجاً للبيت الفني المثقف، فيما يعمل ابنه شادي الفخراني مخرجاً لأعماله الأخيرة.

— وفي تتويجٍ يليق بعمره الفني، حصل على “جائزة الاستحقاق الكبرى لعام 2026″ من مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون.

— هذه التكريمات اعتراف بأن يحيى الفخراني لم يعد فناناً فرداً، بل مؤسسة ثقافية حية تُعلّم الأجيال كيف يتحول الطبيب إلى فيلسوف، والممثل إلى مرآة للأمة.

— في مملكة لا تنتهي.. ظل راهن وصوت سرمدي

في زمن باتت فيه الدراما العربية تُقاس بـ”الترند” و”الهاشتاغ”، يظل يحيى الفخراني حالة شاذة عن القانون العام؛ ليس لأنه يسير عكس التيار، بل لأنه أصبح هو التيار. إنه “طبيب النفوس” الذي ترك غرفة العمليات الجراحية ليدخل غرفة العمليات الدرامية، فكان أشبه بـ”الحلاج” الذي يبحث عن الله في تفاصيل البشر، أو “سليم البدري” الذي يحمل هموم طبقة بأكملها على كتفيه المتعبين.

في زمن يُقاس فيه الفن باللايكات والترند، يظل الفخراني “ظلاً لا يغيب”، يذكّرنا أن العظمة ليست في أن تُبهر الجمهور للحظة، بل في أن تُبقي في قلبه إلى الأبد. الفخراني اليوم ليس مجرد ممثل نراه في رمضان، بل هو “ذاكرة بصرية” للوطن، و”مرآة” تعكس تحولات المجتمع المصري من عصر الباشوات إلى عصر البطالة، ومن القرى المصرية إلى عوالم الصوفية. إنه الجسر المتين بين زمن الفن الجميل وزمن السرعة الرقمية، يخاطب الجد والأب والحفيد بنفس القوة، تاركاً بصمة لا تمحى. لو كان شخصية أدبية لكان نجيب محفوظ الدراما المصرية، ولو كان لحناً لكان أم كلثوم التأثير. لكنه في النهاية هو يحيى الفخراني… سيد المتغيرات، الذي أثبت أن الفن ليس هواية، بل رسالة، وأن العظمة ليست في أن تكون صوتاً عالياً، بل في أن تكون ظلاً لا يغيب، حاضراً في كل بيت، سرمدياً في كل وجدان.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم