الجزء الحادي عشر: مكاشفات خاصة
اغتيال الفطرة
المرأة بين إنصاف الشريعة وخداع الشعارات المادية
بقلم: محمد ناصر الدين
على مر التاريخ كانت طريقة التعامل مع المرأة المقياس الحقيقي لتحضر الأمم أو انحطاطها، واليوم بينما يطرح الغرب شعارات حقوق المرأة في سياق نقد الإسلام تقف الحقائق التاريخية لتقدم قراءة مختلفة في مكاشفة فكرية تناقش الطروحات التي أثرت سلباً على بنية الأسرة ومفهوم الفطرة.
✅ أولاً – المرأة في الفلسفة القديمة والشرائع السابقة
عندما نستقرئ تراث عمالقة الفلسفة والتنوير الغربي نصطدم بواقع قاسٍ، فأرسطو لم يرَ في المرأة سوى مخلوق غير مكتمل، وأفلاطون خجل من ولادته من أنثى، وسقراط وصفها بالشجرة المسمومة، ولم يتغير هذا الطرح كثيراً في العصور اللاحقة فروسو اعتبر أنها خُلقت لإشباع غرائز الرجل، وانحدر نيتشه بوصفها حيواناً منزلياً، وداروين اعتبرها في مرتبة متأخرة، وهذا التنظير عكس واقعاً تاريخياً همّش المرأة من اليونان إلى الهند وصولاً لوأدها عند العرب، ولا يستقيم فكرياً أن تُعقد مقارنة بين هذه النصوص التأسيسية الغربية وبين بعض الممارسات الخاطئة في مجتمعاتنا المعاصرة لأن أي تهميش يقع على المرأة المسلمة اليوم هو نتاج عادات وتقاليد تخالف صريح الدين بينما النظرة المتراجعة في الفكر الغربي متجذرة في صلب نصوصهم التأسيسية وفلسفاتهم.
ولم يقتصر هذا التهميش على الفلسفة بل امتد في شرائع وسياقات تاريخية سابقة، ففي العهد القديم وتحديداً في سفر اللاويين تتضاعف مدة عدم طهارة المرأة إذا ولدت أنثى لتصبح أسبوعين مقارنة بأسبوع واحد لولادة الذكر مع عزل الحائض تماماً، وفي العهد الجديد حُمّلت المرأة بالكامل وزر الخطيئة الأولى بتهمة إغواء آدم والأكل من الشجرة، حتى أن بولس الرسول قرر في رسالته الأولى إلى تيموثاوس إلغاء دورها في الوعظ وإلزامها بالصمت التام في الكنائس قائلاً (لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ، وَلَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ).
✅ ثانياً – تحولات الرأسمالية والانهيار الأسري بلغة الأرقام
بدأت الحركات النسوية بالمطالبة بحقوق أساسية كالتصويت، لكن التحول الأبرز وقع إبان الحرب العالمية الثانية، فمع فقدان الملايين من الرجال في المعارك أدركت الرأسمالية حاجة المصانع لنصف المجتمع، فتم توجيه الآلة الإعلامية لتصوير العمل الشاق خارج المنزل على أنه التحرر المنشود بينما كان أحد الأهداف الاقتصادية هو مضاعفة أعداد دافعي الضرائب وتخفيض الأجور.
ولم يكن خروج المرأة للعمل بحد ذاته هو المشكلة، بل التحدي يكمن في مسار التغيير الذي صوّر رعاية الأسرة والأمومة على أنها قيد، وهذا التوجه يتضح في حوارات بعض رائدات الحركة النسوية، ففي لقاء صحفي موثق نشرته الباحثة الدكتورة كاميليا حلمي على صفحتها جمع الحوار بين سيمون دي بوفوار وبيتي فريدان، حيث سُئلت دي بوفوار عما إذا كان ينبغي منح المرأة خيار البقاء في بيتها لتربية أطفالها، فأجابت بوضوح أنه ينبغي ألا يُمنح هذا الخيار للمرأة لأن كثيراً منهن سيفضلنه، وهذا التصريح يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم حرية الاختيار ويوضح كيف اتجهت بعض المسارات لإبعاد المرأة عن فطرتها.
ولغة الأرقام تقدم صورة واقعية، فوفقاً لإحصاءات الوكالة الأوروبية تجاوزت نسب الطلاق في دول غربية كإسبانيا والبرتغال حاجز 60 بالمئة وفي أمريكا تتأرجح حول 45 بالمئة، وفي دول الشرق قفزت نسب الطلاق في الصين لتتجاوز 40 بالمئة مما اضطر الدولة لفرض فترة تبريد إلزامية قبل الطلاق لإنقاذ المجتمع، وهو الإجراء الذي سبقهم إليه التشريع الإسلامي قبل ألف وأربعمائة عام عبر نظام العدة والتدرج في الطلاق على ثلاث مرات منفصلات، بينما في المقابل تظل المجتمعات الإسلامية كالسعودية تسجل معدلات طلاق في حدود 25 بالمئة لتظل الأسرة المسلمة من أكثر الكيانات تماسكاً في العالم، ولا يصح عزو هذا التماسك إلى التبعية المالية أو الضغط المجتمعي فالإسلام كفل للمرأة حق الخلع لإنهاء أي علاقة متعبة ومنحها ذمة مالية مستقلة تماماً بل السر يكمن في قدسية الميثاق الغليظ وتكامل الأدوار لا تصارعها.
✅ ثالثاً – منهج الإسلام ورسالة الفطرة وجدلية المساواة
وسط هذا المشهد جاء الإسلام بمنهج متوازن، فأعلن المساواة في أصل الخلقة والتكليف مصداقاً لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، وأقر لها ذمتها المالية المستقلة وحقها في التملك، وإبطالاً للنظرة السلبية للجسد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض كما ورد في الحديث (متفق عليه).
لقد كرم الإسلام المرأة في كل مراحل حياتها، فابنةً جعلها طريقاً للجنة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) (رواه مسلم)، والجارية هنا كما جاء في لسان العرب لابن منظور تعني الفتية من النساء أو البنت الشابة ولا تعني الأمة المملوكة كما يتبادر إلى بعض الأذهان، وأماً جعل برها مقدماً على الأب بثلاث مراتب في الحديث (متفق عليه) في قوله (أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ)، وزوجةً جعل معيار خيرية الرجل في حسن تعامله معها بقوله (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ) (رواه الترمذي وصححه الألباني)، وأعلن أن المرأة الصالحة ذات قيمة عليا في قوله (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم).
وهنا تتجلى حكمة التشريع الذي بنى العلاقة بين الرجل والمرأة على العدل والتكامل لا على المساواة المادية الحرفية التي تُطرح اليوم، فالمساواة المطلقة قد تحمل في طياتها إرهاقاً للمرأة لأنها تتجاهل تكوينها الفطري وتحمّلها أعباءً لا تتناسب مع طبيعتها الجسدية والنفسية.
وهذا الطرح تناقشه الأرقام ولغة الواقع، ففي الدول التي تتبنى هذه المساواة لا تزال أزمة التفاوت في الأجور بين الجنسين والموثقة في التقارير الاقتصادية العالمية حقيقة قائمة، حيث تتقاضى النساء العاملات أجوراً أقل من زملائهن من الذكور في نفس الوظائف، وتؤكد تقارير الإحصاءات الرسمية في الولايات المتحدة وأوروبا أن المرأة تتقاضى في المتوسط نحو 82 سنتاً مقابل كل دولار يتقاضاه الرجل، وقد يرى البعض أن الحركات الحقوقية تحارب هذه الفجوة لكن النتيجة الواقعية أظهرت انخراط المرأة في نظام مادي استنزف جهدها في قطاعات العمل ثم تراجع عن إنصافها مادياً، بينما أعفاها الإسلام من عبء الإنفاق المالي الإلزامي وألزم الرجل به كاملاً ليحقق بذلك قمة العدل.
ولأن الإسلام دين الفطرة فقد رفع مكانة المرأة التي تقر في بيتها وترعى أسرتها، ورغم هذا التعظيم البالغ للأمومة إلا أن منهج الإسلام لم يحرم على المرأة حقها في التعليم بل جعله واجباً مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، وقد رويت زيادة في بعض الطرق بلفظ ومسلمة ضعفها الألباني والمحدثون من حيث السند لكنهم أجمعوا على صحة معناها لأن كلمة مسلم في أصل الحديث تشمل الذكر والأنثى إجماعاً.
✅ رابعاً – عمل المرأة بين فقهاء المتقدمين والمحدثين
إن منهج الإسلام لم يمنع المرأة يوماً من العمل البناء، بل بوب الإمام البخاري في صحيحه باب تجارة النساء، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري جواز خروج المرأة للعمل والتجارة بضوابط الحشمة وأمن الفتنة، وقد اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على جواز كسب المرأة وتصرفها المالي المستقل، حيث أقر الحنفية والمالكية حريتها الكاملة في إدارة أموالها وممارسة التجارة دون حاجة لإذن أحد طالما انضبطت بالضوابط الشرعية، بينما اشترط الشافعية والحنابلة الموازنة بين الحقوق الأسريّة وأمن الفتنة مع إقرار أصل الإباحة، مما يؤكد إجماعهم الفقهي على مشروعية النشاط الاقتصادي للمرأة.
وفي العصر الحديث أقر كبار العلماء هذا المبدأ بل واعتبروا أن هناك علوماً ومهناً تُعد فرض كفاية يجب أن تقوم بها نساء الأمة كالطب والتمريض والتعليم النسائي وتأثم الأمة لو عطلتها، ولكنهم تفاوتوا في تفاصيل وشروط التطبيق، فالعلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله أقروا بجواز وأهمية عمل المرأة في المجالات التي تناسبها مع تأكيدهم على أن يكون العمل في بيئة نسائية محضة تمنع الاختلاط بالرجال.
بينما ذهب العلامة يوسف القرضاوي وجمع من كبار العلماء المعاصرين المعتبرين كالعلامة وهبة الزحيلي والعلامة محمد الغزالي رحمهم الله إلى مساحة أوسع مجيزين مشاركتها في مختلف مجالات الحياة العامة والمؤسسات، وهنا يجب التوضيح بأن هؤلاء الأعلام لم يبيحوا الاختلاط غير المنضبط إطلاقاً بل اشترطوا لعملها الالتزام التام بالضوابط الشرعية المانعة للخلوة والمحافظة على الحجاب وغض البصر، فرأيهم ينطلق من أن عزل المرأة تماماً عن المجتمع ليس من مقاصد الشريعة وأنها قادرة على العمل جنباً إلى جنب مع الرجل لبناء الأمة وفق سياج شرعي آمن.
فخديجة بنت خويلد رضي الله عنها أدارت تجارة واسعة، ونسيبة بنت كعب رضي الله عنها دافعت يوم أُحد، والربيع بنت معوذ رضي الله عنها مارست التمريض وتطبيب الجرحى في المعارك، وزينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تعمل بيدها وتتصدق بكسبها، ليوازن الإسلام بحكمة بين وظيفتها الفطرية كأم وحقها في العمل المجتمعي مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).
✅ خامساً – مناقشة الشبهات.. العقل والقيادة
عند استعراض النصوص الشرعية قد تُفهم بعض الأحاديث خارج سياقها مما يولد تساؤلات تحتاج إلى تحليل موضوعي.
🔴 شبهة ناقصات عقل ودين: تدور حول حديث (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ) (متفق عليه)، وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بنفسه، فنقصان الدين هو رخصة وتخفيف بإسقاط الصلاة والصيام فترة الحيض وليس نقصاً في الإيمان أو التقوى، أما نقصان العقل ففسره بقوله (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ)، والتنصيف هنا ليس حكماً على ذكائها أو قدراتها الذهنية بل هو تشريع إجرائي يتعلق بالتوثيق المالي، والتشريعات تُبنى على الغالب الأعم وطبيعة المجتمعات عبر العصور لا على الحالات الفردية، فبطبيعة الحال كانت المرأة تاريخياً أقل انخراطاً في تفاصيل الأسواق والصفقات المالية الخشنة، والشيء الذي لا يقع في دائرة اهتمام الإنسان واكتراثه المباشر لا يثبت في ذاكرته بدقة، تماماً كمن يشهد حادثة عابرة لا تهمه فلا يلقي لها بالاً ولا يستحضر تفاصيلها كالشخص المعني بها، وهو ما يجعل الذاكرة عرضة للنسيان في المعاملات المالية كما توضح الآية الكريمة (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)، وحتى إن برزت اليوم نساء يدرن مؤسسات مالية كبرى فهذا تخصص مهني استثنائي بينما التشريع القرآني موجه لعموم المجتمع لحفظ الحقوق في بنية تشغل فيها المرأة غالباً أدواراً وأولويات أخرى، وفي المقابل نجد أن شهادة المرأة في القضايا التي تختص بها كأمور النساء تُقبل وحدها وتُقدم على شهادة الرجل، فالمسألة مرتبطة بالاختصاص وضمان الحقوق ولا علاقة لها بأصل التكوين العقلي، ويتأكد ذلك في أن شهادة المرأة في رواية الأحاديث النبوية وهي من أسس الدين تُقبل وتُساوى بشهادة الرجل تماماً وقد أخذت الأمة شطراً كبيراً من دينها عن عائشة رضي الله عنها، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أقر بقوة تأثير المرأة حين وصفها بأنها (أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ) أي أن المرأة بطبيعتها وما تمتلكه من فطنة قادرة على التأثير العميق في الرجل العاقل الحازم.
🔴 شبهة حديث الولاية: تُطرح تساؤلات حول حديث (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) (رواه البخاري)، وهو لم يَرِد كتشريع يمنع الإدارة المطلقة للمرأة في كل شأن بل قاله النبي صلى الله عليه وسلم في سياق سياسي تفاعلاً مع تولي بوران بنت كسرى حكم الفرس بعد انهيارات داخلية، لذا قصر جمهور الفقهاء هذا المنع على الولاية العامة الكبرى والمقصود بها تحديداً الخلافة العظمى، فالخليفة في التراث الإسلامي يجمع بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية الميدانية للجيوش والإمامة الدينية في المساجد وهذا العبء الميداني يتنافى مع اعتبارات كثيرة، ويتماشى هذا مع حقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل نبياً أو رسولاً من الإناث قط فرسالة النبوة تتطلب أعباءً ثقيلة من الاصطدام المباشر في الساحات العامة والإمامة المطلقة للناس وهي مهام تتطابق مع طبيعة الولاية الكبرى، وهذا التوجه ينسجم مع مسار التاريخ الإنساني حيث لم يُسجل أن إمبراطورية عظمى قادتها امرأة قيادة عسكرية ميدانية مطلقة في الإمبراطوريات القديمة كالصين والرومان، وحتى النماذج البارزة كالملكة فيكتوريا في بريطانيا كانت تمثل ملكية دستورية لا تملك قرار الحرب والقيادة الميدانية المنفردة، وإن أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية كمثال معاصر للولاية الكبرى حيث يقود رئيسها اتحاداً يضم خمسين ولاية نجد أن هذه الدولة الكبرى لم تقُدها امرأة حتى اليوم، وقد يستند البعض إلى قصة بلقيس ملكة سبأ في القرآن الكريم والواقع أن بلقيس كانت ملكة على إقليم محدد ولم تكن خليفة على أمة ممتدة والقرآن حين خلد ذكرها أشاد برجاحة عقلها وشوراها في قوله تعالى (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ) وبانقيادها للحق وإسلامها مع سليمان ولم يُسق النص كتشريع يبيح الولاية العامة الكبرى، أما المناصب الإدارية والتنفيذية فلم يمنعوها، بل إن الإمام أبا حنيفة أجاز توليها القضاء في الأمور التي تجوز فيها شهادتها وذهب الإمام الطبري والإمام ابن حزم إلى إجازة توليها القضاء المطلق، وفي العصر الحديث رجح جمع من كبار العلماء كالعلامة محمد الغزالي والعلامة يوسف القرضاوي في كتابه «من فقه الدولة في الإسلام» والفقيه الأصولي الدكتور عبد الكريم زيدان في موسوعة «المفصل في أحكام المرأة» وغيرهم جواز توليها المناصب القيادية والبرلمانية استناداً إلى علم الأصول ومقاصد الشريعة التي تقرر أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد نص قاطع بالمنع مستأنسين لتعزيز حجتهم بالأثر الوارد في تولية عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابية الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها إدارة الحسبة، ورغم أن هذا الأثر ضعفه الألباني وغيره إلا أن هؤلاء العلماء اعتبروا أن القاعدة الأصولية أقوى من أن تُنقض وأن مقاصد الشريعة العامة تتسع لجواز تولي المرأة الإدارة إذا توفرت الكفاءة، وفي هذا السياق قد يُطرح نموذج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أو غيرها، والتوضيح هنا يكمن في إدراك طبيعة الأنظمة الحديثة فدولة كألمانيا أو بريطانيا تمثل بمقياس الإمبراطوريات إدارة إقليمية فضلاً عن كونها دولة مؤسسات تحكمها دساتير وبرلمانات وليست قيادة مطلقة وميركل نجحت لأنها جزء من نظام مؤسسي يحترم الكفاءة.
✅ سادساً – الحجاب وريادة العلوم.. انسجام القيم والإبداع
في خضم هذا النقاش لا بد من تجاوز النظرة التي تربط بين التخلي عن القيم والتقدم العلمي، ولبيان قدرة المرأة المسلمة على التميز في أعقد ميادين العلوم التجريبية والتطبيقية عبر امتداد العالم الإسلامي والدولي تكفينا لغة الواقع، فتُصنف العالمة السعودية المنقبة الدكتورة نجلاء الردادي ضمن أفضل 2 بالمئة من علماء العالم بالنانو تكنولوجي، وتبرز عالمة الفيزياء الفلكية التركية المحجبة الدكتورة بورشين موتلو باكديل بإسهاماتها الفلكية العالمية، وتتألق الدكتورة ابتسام باضريس كأول باحثة سعودية في مركز الأبحاث النووية الأوروبي (سيرن)، إلى جانب رموز علمية دولية أخرى مثل عالمة الوراثة الباكستانية الدكتورة تسنيم كوثر التي أسهمت ببحوث متقدمة في علوم الحياة، والدكتورة سارة شريعت بناهي الباحثة الإيرانية البارزة في تكنولوجيا النانو.
وفي هذا السياق تُستحضر قصة ذات دلالة فكرية معبرة، حيث يُروى أن امرأة منقبة كانت تتسوق في ألمانيا فخاطبتها موظفة ذات أصول عربية منتقدة لباسها ومعتبرة أنه لا يتناسب مع بيئة العمل والتطور طالبة منها العودة لوطنها، فما كان من السيدة المنقبة إلا أن كشفت عن وجهها بهدوء لتظهر ملامحها الشقراء المألوفة في تلك البلاد وقالت بكلمات موجزة إنها ألمانية ابنة ألماني وهذا إسلامها وهذا وطنها وأنهم تركوا دينهم بينما هي اختارته، وهذه المواقف بغض النظر عن تفاصيلها تختصر جوهر الحوار الفكري بين مسار يسعى لمجاراة النماذج المادية الوافدة وبين قناعات تدرك أن الحضارة الحقيقية تكمن في المنظومة الأخلاقية التي تحفظ للإنسان توازنه وكرامته، ليبقى التحدي الأكبر أمام المرأة هو الحفاظ على هويتها وسط طوفان الشعارات وهو ما عبر عنه أمير الشعراء أحمد شوقي في بيت يقطر حكمة حين قال:
خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ
وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ
#مكاشفات_خاصة #محمد_ناصرالدين #وعي #اغتيال_الفطرة #أدب_عربي#مجلة ايليت فوتو ارت.


