العالم الفيزيائي والرياضياتي البريطاني الشهير روجر بنروز (Roger Penrose)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020، يُعرف بطروحاته الفلسفية والفيزيائية العميقة التي تتجاوز النظرة المادية التقليدية الصارمة. برزت أفكاره حول “وعي الكون” وتنظيمه الدقيق كنوع من الإيمان بوجود حكمة غائية أو تنظيم عاقل خفي، وهو ما عبّر عنه في مناورات فكرية شهيرة أبرزها فكرة أن “الكون كان يعلم بأننا قادمون”.
الكون كان يعلم بأننا قادمون؟!
العالم الفيزيائي والرياضياتي البريطاني الشهير روجر بنروز (Roger Penrose)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020، يُعرف بطروحاته الفلسفية والفيزيائية العميقة التي تتجاوز النظرة المادية التقليدية الصارمة. برزت أفكاره حول “وعي الكون” وتنظيمه الدقيق كنوع من الإيمان بوجود حكمة غائية أو تنظيم عاقل خفي، وهو ما عبّر عنه في مناورات فكرية شهيرة أبرزها فكرة أن “الكون كان يعلم بأننا قادمون”.
هذه بعض أفكاره وفلسفته حول القوى العاقلة في الكون:
- مبدأ الضبط الدقيق (Fine-Tuning) و”الكون علم بقدومنا”
يرى بنروز أن القوانين الفيزيائية والثوابت الكونية (مثل قوة الجاذبية، الكتلة الذرية، وغيرها) مضبوطة بدقة مذهلة تفوق الوصف الرياضي، بحيث لو تغير أي جزء ضئيل منها لما نشأت الحياة ولا وُجد البشر.
الاحتمالية شبه المستحيلة: حسب حسابات بنروز، فإن فرصة نشوء كون منظم ومنخفض الاعتلاج (Low Entropy) مثل كوننا عند الانفجار العظيم هي نسبة 1 إلى 10 مرفوعة للقوة 10 وتلك القوة مرفوعة للقوة 123، وهو رقم لا يمكن تخيله من كبره.
الاستنتاج: هذا الضبط الخارق قاد بنروز إلى التلميح بأن هذا الكون ليس نتاج مصادفة عشوائية أليمة، بل إن “الكون كان يعرف بأننا قادمون”، بمعنى أن هناك قصدية أو غائية في التصميم أتاحت للوعي البشري أن يظهر.
- الوعي ليس “حوسبة” (Non-Computability of Consciousness)
في كتابيه الشهيرين “The Emperor’s New Mind” و*”Shadows of the Mind”*، خاض بنروز حرباً شرسة ضد فكرة أن العقل البشري مجرد كمبيوتر بيولوجي.
قصور المادة الصرفة: يرى بنروز أن الوعي البشري، وفهمنا للرياضيات، وإدراكنا للجمال والحق، هي أمور غير قابلة للحوسبة.
الرابط بالكون العاقل: بما أن القوانين الفيزيائية الحالية (الكلاسيكية والكمية) تعتمد على الحسابات، فإن بنروز يعتقد أن الوعي يتطلب فيزياء جديدة تماماً لم نكتشفها بعد. هذا يعني أن الوعي ليس “عَرَضاً جانبياً” تطور بالصدفة، بل هو مكون أساسي متجذر في نسيج الكون نفسه.
- الأفلاطونية الرياضية (Mathematical Platonism)
يؤمن بنروز بالفلسفة الأفلاطونية، ولديه نظرة ثلاثية للوجود تتكون من ثلاثة عوالم تفاعلية:
العالم المادي (الذي نعيش فيه).
العالم العقلي (الوعي والأفكار).
العالم الرياضي الأفلاطوني (عالم الحقائق الرياضية المطلقة).
بالنسبة لبنروز، الرياضيات ليست اختراعاً بشرياً، بل هي موجودة ومستقلة قبل وجود البشر وقبل وجود الكون المادي نفسه. هذا الإيمان بعالم رياضي كامل ومثالي يُسيّر الكون المادي يعكس بوضوح إيمانه بوجود “نظام عاقل مطلق” أو “حكمة عليا” تُدار بها الأشياء.
في لقاءات عديدة، أكد أنه يرى غرضاً وحكمة وراء الوجود، ويرفض تماماً الفكرة الإلحادية الاختزالية التي تقول إن الكون مجرد تصادم عشوائي لجسيمات صماء.
يمكن تلخيص موقف روجر بنروز بأنه “إيمان علمي وصوفي بالنظام والخلق”. هو يرى أن الوعي البشري هو المرآة التي يرى الكون فيها نفسه، وأن وجودنا لم يكن صدفة أبدًا، بل إن القوانين الكونية صيغت بحكمة فائقة وبعقلانية مطلقة جعلت من ظهور الوعي أمراً حتمياً ومقصوداً.
م . #ماهر_بقجه_جي#مجلة ايليت فوتو ارت.

