منذ أن عرف الإنسان السلطة وهو يبني شيئا يشبه الهرم!
حجر فوق حجر واسم فوق اسم وثروة فوق ثروة؛ حتى يصبح في الاسفل ضجيج الملايين وفي الاعلى صمت القلة، ولعل اكثر ما يلفت في الهرم ليس ارتفاعه، وانما ضيق المساحة التي يتركها في قمته.
فالقمة بطبيعتها لا تتسع للجميع!
يقول غابرييل غارسيا ماركيز:
“لا شيء اصعب من ان تكون لديك فكرة،
ثم تحاول اقناع الآخرين بها.”
لكن عالمنا المعاصر اتقن شيئا اكثر تعقيدا، فلم يعد يحتاج الى اقناعك بالفكرة؛ يكفي ان يجعلك تظن انها فكرتك!
تأمل السوق كمثال.
لمَ تحتاج الى هاتف جديد، وثوب جديد، وصورة جديدة، وحياة تبدو افضل مما تعيشها، ومنذ متى اصبح الشيء الذي يعمل جيدا قديما، لمجرد ان شيئا احدث ظهر في الواجهة؟
الاعلان يا عزيزي لا يبيعك الهاتف وحده!
انه يبيعك النسخة التي تتمنى ان تكونها من نفسك، ولهذا قد يدفع الانسان ثمن مكانته قبل ان يدفع ثمن حاجته، والامر نفسه يحدث في السياسة والاعلام والمنصات الرقمية؛ ملايين يتحدثون لكن بضعة مراكز تحدد ما يستحق ان يسمع.
ملايين يكتبون، لكن الخوارزمية تختار من يصل الى الملايين، وملايين يظنون انهم يلاحقون ما يريدون؛ بينما كثير من رغباتهم صنعت لهم قبل ان يصلوا اليها، وهكذا يصبح الهرم اذكى من ان يقف في طريقك، يترك لك مساحة كافية لتشعر بالحرية.
يمنحك آلاف الخيارات
ثم يرتبها امامك بطريقة تجعلك تصل في الغالب
الى الخيار الذي كان النظام يريدك ان تراه.
حتى “الترند” الذي يبدو كأنه صوت الجماهير، قد يكون في احيان كثيرة مجرد جماهير تتجه في الاتجاه نفسه دون ان تعرف من حرّك الاتجاه في بدايته.
لهذا لا اخاف كثيرا من الانسان الذي يعيش في القاع!
اخاف من الذي يعيش فيه ويظن ان الخريطة التي في يده هي العالم كله؛ فالوعي يبدأ حين ترفع رأسك عن المشهد وتنظر الى البنية التي تقف خلفه ..
من وضع القواعد؟
من يحدد قيمة الاشياء؟
من يصنع الرغبات قبل ان تشتريها؟
ومن أقنعك ان موقعك في هذا الهرم نتيجة طبيعية لاستحقاقك؟
ربما يا عزيزي لا يكون العالم مؤامرة كبرى!
وهذا تحديدا ما يجعله اكثر اثارة؛ انها مصالح، وحوافز، وخوارزميات ومؤسسات وعادات، ورغبات بشرية تتشابك حتى تصنع نظاما قادرا على اعادة انتاج نفسه دون ان يحتاج احد الى الجلوس في غرفة مظلمة وادارة كل شيء.
نعم ..
الهرم لا يحتاج الى مهندس واحد،
يكفي ان يعرف كل حجر اين يضع نفسه.
وربما كانت اخطر لحظة في حياة أحدهم هي تلك التي يكتشف فيها ان بعض الحدود التي عاش داخلها طويلا لم تكن جدرانا حوله؛ بل افكارا في رأسه، عندها تتغير قيمة المسافة بين القاع والقمة، وتصبح معرفة الهرم اهم من مجرد الصعود فيه.
لانك يا عزيزي، قد تصل الى اعلى نقطة في البناء، ثم تكتشف متأخرا انك كنت تصعد طوال الوقت داخل الهرم الخطأ.
#محمد ال ماوري#مجلة ايليت فوتو ارت.


