هل هناك بوصلة محددة للحرف العربي..؟

الخزف العربي بلا بوصلة

قد تكون البوصلة، بوصفها جهازًا تقليديًا لتحديد الاتجاه، قد أصبحت اليوم جزءًا من أدوات الماضي، في ظل التطور التكنولوجي وظهور أجهزة وتقنيات حديثة تؤدي الوظيفة ذاتها بوسائل أكثر تطورًا ودقة. غير أن الغاية التي وجدت البوصلة من أجلها ما زالت قائمة؛ فالإنسان لا يزال بحاجة إلى معرفة الاتجاه، وتحديد المسار، والوصول إلى الوجهة التي يقصدها.

إن معرفة الاتجاه ليست مسألة تقنية مرتبطة بالبوصلة وحدها، بل يمكن النظر إليها بوصفها مفهومًا يتصل بجوهر الوجود الإنساني والفكري. فالزمن، والتاريخ، والفعل، والمعرفة، والإبداع، كلها تتحرك باتجاهات معينة. وإذا كان الفعل الإنساني يسعى إلى بلوغ صورته الأكثر صوابًا وفاعلية، فإن حركته الطبيعية ينبغي أن تتجه نحو التقدم والتطور وإنتاج حالة جديدة يكون فيها هذا التحول ذا معنى وقيمة.

ومن هنا تنطلق هذه المقالة من استعارة «البوصلة» بوصفها مفهومًا إجرائيًا وفكريًا لقراءة واقع الخزف العربي المعاصر. فالسؤال ليس عن وجود النشاط الخزفي من عدمه، ولا عن كثرة الإنتاج أو الفعاليات، وإنما عن الاتجاه الذي تتحرك فيه هذه المنظومة، وعن قدرتها على إنتاج خطاب جمالي معاصر ذي تأثير وخصوصية.

وفي ضوء ذلك، تأتي هذه المقالة لتسلط الضوء على الخزف العربي من جانبيه: النظري والعملي.

أما الجانب النظري، فيتمثل في الأطروحات الأكاديمية والدراسات العليا والبحوث والكتابات النقدية، فضلًا عن الملتقيات والمؤتمرات والتجمعات والفعاليات المتخصصة التي أخذت تنشط بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة. وهي جميعًا تمثل مساحة مهمة لتداول الأفكار حول الخزف، ومناقشة قضاياه، وتحديد موقعه داخل المشهد التشكيلي والفني المعاصر.

أما الجانب العملي، فيتمثل في المنجز الخزفي الظاهر في المنطقة العربية عمومًا، بما يتضمنه من تجارب فنية وتقنية وأساليب متعددة، وما يكشف عنه من تحولات في الشكل والمادة والتقنية والمضمون.

ومن خلال النظر في هذين المستويين، يبدو أن هناك إشكالية يمكن تلخيصها في أن الحركة الخزفية العربية، على المستويين النظري والعملي، تشهد نشاطًا وتشعبًا وتعددًا في الاتجاهات، لكنها لا تكشف بالوضوح الكافي عن مسار جامع أو اتجاه معرفي وجمالي محدد يمكن من خلاله لمس حركة متصاعدة نحو التطور والتأثير في الخطاب الجمالي المعاصر.

وهنا تبرز المفارقة: هناك حركة، وهناك إنتاج، وهناك دراسات، وهناك ملتقيات، وهناك تجارب فردية مهمة، ولكن هل تكفي هذه الحركة المتعددة والمتشعبة لكي نقول إن الخزف العربي يمتلك اليوم بوصلة جمالية ومعرفية واضحة؟

إن المشكلة، إذن، ليست في غياب الحركة، وإنما ربما في غياب الاتجاه. وليست في ندرة التجارب، وإنما في مدى قدرتها على التحول من تجارب متفرقة إلى ظاهرة فنية ذات وعي نقدي وجمالي يمكن أن تؤسس خطابًا خاصًا بها.

فالفنان الخزاف العربي يتحرك داخل منظومة معقدة من المرجعيات: التراث، والهوية، والموروث الشعبي، والدين، والأسطورة، والبيئة، والتحولات الاجتماعية والسياسية، والتكنولوجيا، والعولمة، ومفاهيم الفن المعاصر. وهذه المرجعيات تمنحه ثراءً هائلًا، لكنها في الوقت ذاته قد تدفع التجربة إلى مسارات متعددة دون أن تنتظم بالضرورة في مشروع جمالي واضح.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا:

إذا كانت البوصلة وظيفتها الأساسية تحديد الاتجاه، فأين تتجه التجربة الخزفية العربية المعاصرة؟

هل تتجه نحو إعادة إنتاج التراث بصيغ جديدة؟
أم نحو تجاوز المرجعيات التراثية والبحث عن لغة عالمية؟
أم نحو التوفيق بين الهوية المحلية والخطاب العالمي؟
أم نحو التجريب المادي والتقني؟
أم نحو توظيف الخزف بوصفه وسيطًا مفاهيميًا يتجاوز حدوده التقليدية باعتباره حرفة أو فنًا تطبيقيًا؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تعتمد على قراءة الأعمال الفنية وحدها، كما لا يمكن أن تعتمد على الدراسات النظرية وحدها، وإنما تتطلب النظر إلى العلاقة بين النظرية والممارسة، وإلى الكيفية التي ينتقل بها الفكر النقدي والجمالي إلى العمل الفني، وكيف يستطيع العمل الفني بدوره أن ينتج معرفة وأسئلة جديدة.

وعليه، فإن «الخزف العربي بلا بوصلة» لا تعني بالضرورة أن الخزف العربي يسير في طريق خاطئ، ولا تعني إنكار المنجزات المهمة التي قدمها الفنانون العرب، وإنما هي دعوة إلى إعادة طرح سؤال الاتجاه: أين نحن الآن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وما الذي يمكن أن يجعل الحركة الخزفية العربية حركة ذات معنى وتأثير داخل الخطاب الجمالي المعاصر؟

فالبوصلة لا تصنع الطريق، لكنها تكشف الاتجاه. وكذلك النقد والنظرية لا يصنعان العمل الفني، لكنهما يساعدان على فهم موقعه، وتحديد مساره، وقياس قدرته على إنتاج تحول حقيقي.

ولعل الحاجة اليوم ليست إلى بوصلة تقليدية، وإنما إلى وعي بالبوصلة؛ أي إلى وعي نقدي وجمالي قادر على قراءة المتغيرات، وتحديد الأولويات، وربط التراث بالمعاصرة، والتقنية بالفكرة، والمادة بالمفهوم، والفردي بالجمعي، والمحلي بالعالمي.

ومن هنا، فإن مستقبل الخزف العربي لا يرتبط فقط بزيادة عدد الفنانين أو المعارض أو الملتقيات أو الدراسات، بل بقدرته على إنتاج خطاب جمالي يمتلك اتجاهًا ووعيًا وموقفًا، بحيث لا يكون الخزف مجرد حركة مستمرة في فضاء مفتوح، وإنما حركة تعرف إلى أي جهة تتجه، ولماذا تتجه إليها، وما الذي تريد أن تصل إليه.

إن السؤال الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس: هل يتحرك الخزف العربي؟

فهو يتحرك بالفعل.

وإنما السؤال هو:

هل يعرف الخزف العربي إلى أين يتجه؟

#الفنان والناقد ليث عباس، العراق ـ السويد.#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم