نون وفكرة متصوف.للشاعرة:ورود أحمد الدليمي. قراءة الأستاذ :حمزة فيصل المردان.-مشاركة:عدنان الفضلي.

شكراً لصديقي الخلوق عدنان الفضلي الذي شرف قراءة الأستاذ حمزة فيصل المردان لنصي
( نون وفكرة متصوف) بنشرها في جريدة الحقيقة في عددها الجديد شكرًا لذائقته التي منحت الحروف حياةً أخرى بين القراء. كلّ الامتنان لهذا الدعم الجميل وللمحبة التي تكتب بالمواقف قبل الكلمات وشكري وامتناني للأستاذ حمزة فيصل المردان على هذا الفيض
(((- نون وفكرة متصوّف -)))
قراءة في نص الشاعرة – ورود احمد الدليمي…

/_ حمزة فيصل المردان

***/ _ لا يخفى على أحد بأنّ للنص الأنثوي خصوصية بنفرد بها عن نص الرجل وفي امور كثيرة ومنها البوح داخل النص بكل تشعياته ، ومتعلقاته التي لا يمكن الافصاح عنها علننا مهما يكن الدافع – فترتكب النصوص المذهلة في هذا الميدان أو ذاك بقصد أو بآخر تفاديا للوقوع بمشاكل والصِدَام والتّصادم بواقع عشائري لا يرحم وكذلك الحزن والكبت القاتل لكونها مركز الاستقبال والنفور -وما يتأتّى منه ، وكذلك جمع وتشتيت العائلة فتحمل سمات ومواصفات خاصة جعلتها في وجه الحدث في كل الامور لكونها الأكثر تأثيرا وتأثرّا بما يدور حولها من أحداث وامور قد لا تمرّ على بال أحد منّا –
وهنالك أبواب كثيرة نعرفها وخرى لا نعرفها لخصوصيتها للمرأة تحديدا ، كما أسلفت – وكلامي ليس إطراء أبدا لأنّ نقطة التحوّل من عدمه ملاصقة لدورها الكبير في شرعنة القرار بل التأثير فيه وفرضه كواقع حياتي ملموس
لذلك يمارس ضدها الإضطهاد بكل أنواعه والعنف الأسري دائما وهي المضحّي الأول بالنزاعات العشائرية وبالحروب لكونها الولود والام الثكلى ، ولدينا امثالة كثيرة لا تحصى عبر التاريخي الطويل وما وقع به من حيف وظلم ضدها وما حقّقته من جهات لا حصر لها عندما استلمت الموقع القيادي في العشيرة أو الدولة – أمّا الأب يأتي في المرحلة الثانية –
في هذه العجالة قد نبخس المرأة حقّها لكنّنا سنخوض في غمار نصّ أنثويّ من هذا الباب أو ذلك لمعرفة هذا الدور الرئيسي ومحاولة منّا لتفكيكه حسب آلية فرضها النص بتدفقه غزارة معاني وما يضمر وما تخفي الكلمات السطور التي رتّبت بعناية فائقة
لكم النص كما نشر في صفحتها على الفيس بوك

{ – نون وفكرة متصوّف – }
أكتبُكَ بنونٍ
لا يسعها سطرٌ
أستعيرُ انحناءةَ المجهولِ
وأخطُّ في صدرِ الماءِ
سرًّا لا يراهُ سوى العطاشى…
نونٌ
عيونٌ في قلبِ الليلِ
يضيقُ الكونُ لا متسعٌ
مابين حلمٍ ويقظةٍ
ألمسُ النجومَ
تنحني نونٌ
من فمِ غيبٍ
تغوصُ في الحبرِ
أتأملُ… أفكرُ
كصوفيٍّ
يتقصّى سرَّ الخالقِ
يستقصي عن ظلهِ
في مسارِ الضوءِ
كلما دنوتُ من المعنى
اضطربَ التأويلُ
أعيدها في سري
نونٌ
يتبددُ الظلامُ
تنكسرُ القيودُ
نونُ… نورٌ
أصلي بلا قبلةٍ
وجهُكَ قلبتي يا اللهِ
في كلِّ الجهاتِ
حرفٌ يعتليه نقطةٌ وتنوين
كونٌ …بحرٌ …سماءٌ
متصوفٌ قلبي يناجيكَ
أتوجهُ إليك عاريةً
من كلِّ فصاحةٍ
إلا رعشةَ النونِ
سرٌّ مكنونٌ
نقطةُ بدايةٍ
انكسارُ نهايةٍ
ودائرةُ عاشقٌ مجنونٌ
نداءٌ حين يتلعثمُ النطقُ
أنطقها فاتفتح أبوابٌ
كذلك المستحيلُ
يستعصي على قراري
حينَ يُؤذنُ
(للجملِ أن يلجَ سم الخياطِ)
أنا…
مجردُ نونٍ
سقطت من كتابي
فصارت
كتابًا كاملًا
عن فقدي أتكلمُ

هذا النص رحلة وجدانية ترفض الامتثال للقواعد الجاهزة، إنه نص يكتب نفسه بمداد من”الدهشةالصوفية”.
العنوان( نون وفكرة متصوّف ).. هو عتبة النص المهمة جدا
العنوان هنا ليس مجرد تعريف، بل هو – مفتاح طلسمي- “النون” بما تحمله من استدارة جمالية ونقطة مركزية تحيلنا إلى “الرحم” أو “الدواة” أو “الحوت” في الرمزية الدينية. اقترانها بـ “فكرة متصوّف” يخرج الحرف من حيزه اللغوي إلى حيزه الوجودي. المتصوّف هنا لا يطرح نظرية، بل يطرح “فكرة” هي بمثابة تجربة حية، تجعل العنوان يبدو كإعلان عن اتحاد بين الشكل (الحرف) والمضمون (الحال الصوفي).
( أكتبكَ بنونٍ لا يسعها لا سطرٌ
أخطُّ في صدر الماء سرّا…)
_ هنا نلمس – انطباع البداية المطلقة- الشاعرة لا تكتب بقلم، بل “تستعير انحناءة المجهول”. الكتابة على “صدر الماء” تعبير عبقري عن الكتابة المستحيلة التي لا تُقرأ بالبصر، بل بالبصيرة. السر هنا لا يراه إلا “العطاشى”، وهو تأويل للرغبة الروحية؛ فالارتواء يحرمك من الرؤية، بينما العطش (الجوع المعرفي) هو من يكشف الحجب.
نونٌ.. عيونٌ في قلب الليل..
تنحني نونٌ من فم غيب…)
_ ينتقل النص من فعل الكتابة إلى -كاشفية الحرف- النون تتحول من حرف إلى “عين”. هناك لعبة بصرية مذهلة بين (ن، عيون، حلم، نجوم). التأويل هنا يذهب إلى أن “النون” هي العدسة التي يرى من خلالها المتصوف الغيب. الغوص في الحبر هو غوص في المادة لخلق المعنى، وكأن “الحبر” هو ليل العالم الذي يستمد ضياءه من انحناءة النون.
( أتأمّلُ.. أفكر كصوفيّ… كلّما دنوت من المعنى
إضطربَ التأويلُ)
يظهر هنا – الوعي النقدي بالذات-المتصوف لا يبحث عن الله في الكتب، بل في “مسار الضوء” و”ظله”. الانطباع هنا هو “الحيرة المحمودة”؛ فالحقيقة عند الصوفية كلما اقتربت منها ازدادت عصيانًا على التفسير. “اضطراب التأويل” علامة صحية على أن التجربة أكبر من أن تُحبس في كلمات. ( نون.. نور.. اصلي بلا قبلة.. وجهك قبلتي يا الله) تصل القصيدة إلى ذروة التجريد. الجناس بين “نون” و”نور” يعكس الحلول والاتحاد. أما عبارة “أصلي بلا قبلة” فهي لا تعني غياب الوجهة، بل – تعدد الوجهات التأويل هنا يكرس فكرة “أينما تولوا فثم وجه الله”. القلب المتصوف يتحرر من “الفصاحة” (الزيف اللغوي) ليبقى فقط في “رعشة النون” (الصدق الوجودي).
( دائرة عاشق مجنون…
للجمل أن يلج سم الخياط)
_ هذا المقطع هو – تفكيك للمستحيل- استخدام الرمز القرآني “سم الخياط” هنا يأتي في سياق “المعجزة”. العاشق المجنون هو الوحيد القادر على عبور الثقوب الضيقة للمستحيل. الحرف هنا “يفتح أبوابًا”، مما يوحي بأن اللغة حين تصبح “ذكرًا” تصبح مفتاحًا للكون. _ التلاشي والانبعاث (الخاتمة)
( أنا… مجرد نون سقطت
من كتابي فصارت كتابا كاملا)
_ خاتمة مذهلة تلخص
وحدة الوجود الصوفية – الذات (أنا) تتضاءل لتصبح مجرد حرف (نون)، لكن هذا الحرف بمجرد سقوطه من سياق “الكتاب التقليدي” يتحول هو نفسه إلى “كتاب كامل”. التأويل النهائي هنا: الإنسان هو “النون”؛ هو نقطة البداية، وهو المختزل الذي يحتوي كل تفاصيل الفقد والوجود..
_ النص ليس مجرد كلمات، بل هو حالة من التماهي مع الحرف فالشاعرة نجحت في تحويل “النون” من كائن معجمي إلى كائن كوني. الموسيقى الهادئة، واختيار المفردات (رعشة، مكنون، غيب، حبر)، خلقت جوًا من “القداسة الفنية” التي تجعل القارئ لا يقرأ نصًا، بل يمارس طقسًا تأمليًا.

أخر المقالات

منكم وإليكم