نشأة العنف .. الأسباب الخفية والجذور الكارثية

كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة

ينشأ العنف كظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه، لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية في الفرد وأخرى خارجية في بيئته ومجتمعه.

أولاً: الأسباب الخفية (الجذور النفسية والذاتية)

تعد الجذور النفسية هي الأعمق والأكثر خفاءً في تكوين الشخصية العنيفة. يظهر العنف كآلية دفاع أو تعويض عن نقص داخلي:

الإحباط المُتراكم: الشعور المستمر بـالإحباط والفشل وعدم القدرة على تحقيق الأهداف بالطرق المشروعة يولد طاقة غضب هائلة، قد تنفجر في شكل عدوان على الآخرين أو الذات.

ضعف الثقة وإثبات الذات: يلجأ البعض، خاصة في مراحل النمو الحرجة كالمراهقة، إلى ممارسة العنف أو السيطرة كوسيلة سريعة وفعالة لـ إثبات الذات وتعويض الشعور بـالضعف أو النقص الداخلي.

تاريخ الصدمات: التعرض لـالقسوة أو الإهمال أو العنف في الطفولة يرسخ العنف كنموذج للسلوك المكتسب، حيث يتحول الضحية في مرحلة ما إلى مُعتدٍ.

اضطراب الانفعالات: ضعف القدرة على إدارة الغضب أو وجود اضطرابات نفسية وانفعالية يقلل من حاجز ضبط النفس، مما يجعل السلوك العنيف استجابة أسهل للمواقف الضاغطة.

ثانياً: الأسباب الاجتماعية والبيئية

تشكل البيئة الاجتماعية الحاضنة التي تغذي العنف أو تكبحه، وهي تشمل:

التفكك الأسري وسوء التنشئة: غياب القدوة الإيجابية، أو وجود علاقات زوجية متوترة، أو ممارسة العقاب الجسدي غير المنضبط، كلها عوامل تهيئ الفرد لتقبل العنف واعتباره سلوكًا طبيعيًا.

البيئة المحيطة السلبية: العيش في مناطق تتفشى فيها الجريمة، أو تتعاظم فيها الفوارق الطبقية، يغذي مشاعر الظلم والحقد، ويدفع الفرد لاستخدام القوة كوسيلة للبقاء أو أخذ الحق.

تأثير الأقران والإعلام: الانخراط في جماعات منحرفة أو التعرض المستمر لمحتوى إعلامي (أفلام، ألعاب) يمجّد العنف ويصوره كوسيلة للبطولة أو القوة، يقلل من حساسية الفرد تجاهه.

الضغوط الاقتصادية والثقافية: الفقر والبطالة واليأس الاقتصادي يزيد من مستوى التوتر داخل الأسرة والمجتمع، مما يضعف آليات الحوار ويزيد من احتمالية اللجوء إلى القوة.

ثالثاً: النتائج الكارثية (العواقب المدمرة)

النتائج المترتبة على العنف تتجاوز الضحية الفرد لتشمل المجتمع بأكمله، وتتمثل في:

الآثار النفسية والجسدية المدمرة: يعاني الضحايا من إصابات جسدية مزمنة واضطرابات نفسية خطيرة مثل الاكتئاب والقلق واضطراب الكرب التالي للصدمة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى الانتحار أو الإدمان.

تفكك النسيج الاجتماعي: يؤدي العنف إلى العزلة الاجتماعية، وتدمير العلاقات الأسرية، وفقدان الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، مما يهدد استقراره وتماسكه.

التكلفة الاقتصادية الباهظة: يتكبد المجتمع تكاليف هائلة لعلاج آثار العنف، سواء في القطاع الصحي أو الأمني أو القانوني، بالإضافة إلى فقدان الكفاءات وتدني الإنتاجية بسبب تدهور الصحة النفسية والجسدية للأفراد.

توارث العدوان: الأفراد الذين تعرضوا للعنف في صغرهم يصبحون أكثر عرضة لارتكابه في المستقبل، مما يخلق دائرة مفرغة من العنف يصعب كسرها، ويهدد استدامة أمن الأجيال القادمة.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم