نجيب محفوظ ب اولاد حارتنا..فقدان المعنى.

في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، جزئية عرفة الساحر، كان عرفه مُجسدًا لفقدان المعنى معبرًا عن توجه عصر بأكمله، عصر الاعتداد بالفرد وموت القيمة. “موت الإله” وهو التعبير المجازي الذي اختاره نيتشه ممثلًا لرأيه في عصر الحداثة الذي عدّه بمثابة تهديد مباشر للفرد، شقاء أبدي مقابل اعتداد بقيم مطلقة هشة دومًا ما سعى نيتشه لتفكيكها بصفتها لا تقود الإنسان إلا للعدمية وكره الأرض.بالرجوع لمنجز نيتشه “هكذا تكلم زرادشت” وعبر استعادة مقطع بسيط من البداية، وفور نزول زرادشت من الجبل وكان قد تخلى لتوه عن عزلته الطويلة يقابله شيخ عجوز.يسأله الشيخ: -كنت تعيش في العزلة كمن يعوم في البحر والبحر يحمل أثقاله، وأراك الآن تتجه إلى اليابسة، أفتريد الاستغناء عمن حملك لتسحب هامتك إلى الأرض بنفسك؟ليجيبه زرداشت:-إني أحب الناس.المقطع السابق يشير إلى أي مدى كان نيتشه ساخطًا، فهو يتخلى عن العزلة المعادلة لملكوت الله، ممثلة في خفة المشي على المياه، ليميل إلى الأرض، اليابسة والطين، الثِقل مقابل الخفة. الجماعة مقابل الفرد.المثير في جزئية عرفة هو تعبيرها الصارخ عن عصر الفردانية وموت القيم النيتشوي، وبرغم كون عرفه قاتل الجبلاوي، إلا أنه الضحية الأكبر في الحكاية، فهو ابن العصر الواعي تمامًا لذنبه المقترف بيديه وهو ما يزيد عذابه. يتمثل بؤس عرفة لا في اعتداده بفردانيته التي أدت لموته في الأخير فقط، بل في إدراكه الشديد بأنه ابن العصر المشؤوم.يتضح ذلك من ندم عرفة الكبير متمثلًا في رده عند سؤال الناظر له في الجزئية التالية:- لو تنجح ياعرفة..أي شيء تفعله لو نجحت؟ليرد عرفة وكأنما أفلت منه القول:أرد إلى الحياة الجبلاوي.بعدها يقابل عرفة سوداء، وهي خادمة الجبلاوي، تبدو تلك هي الجزئية الأخطر في الرواية، لأنها تشير مباشرة إلى الحقيقة المدعاة بقتل عرفة للجبلاوي، وهي جزئية لا تحتاج إلى قراءة متمعنة وواعية لإدراك المقصد منها، رغم ذلك أسيء فهم الرواية ومحفوظ وتم إدانتهما.المقطع التالي مقتطع من الحديث بين عرفة وسوداء الفصل 111. “قالت بهدوء: لا شكوى لي، وإنما أردت أن أخلو إليك لأنفذ وصية- أي وصية ؟!فمال رأسها نحوه قليلا وهي تقول: كنت خادمة الجبلاوي وقد مات بين يدي!- أنت!- نعم أنا فصدقني.ولم يكن في حاجة إلى دليل فسألها بصوت مضطرب: كيف مات جدنا؟فقالت المرأة بنبرة حزينة اشتد به التأثر عقب اكتشاف جثة خادمه، وبغتة احتضر فسارعت إليه لأسند ظهره المختلج ذلك الجبار الذي دان له الخلاءزفر عرفة بصوت حار كدر سكون الليل، وانخفض رأسه في حزن كأنما يداريه عن ضوء القمر، وإذا بالمرأة ترجع إلى حديثها الأول قائلة: جئتك تنفيذا لوصيته.فرفع رأسه إليها مرتعشا، متسائلا : ماذا عندك؟ تكلمي.فقالت بصوت هادئ كنور القمر : قال لي قبل صعود السر الإلهي: اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض عنه.»فانتفض عرفة كالملدوغ وهتف بها يا دجالة ماذا تمكرين ؟!- سيدي، حفظتك العناية.- خبريني أي لعبة تلعبين؟فقالت ببراءة: لا شيء غير ما قلت والله شهيد.فسألها بارتياب: ماذا تعرفين عن القاتل؟- لا أدري شيئًا يا سيدي، منذ وفاة سيدي وأنا طريحة الفراش، وأول ما فعلت بعد شفائي أن قصدتك.- ماذا قال لك ؟- اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه عني أن جده مات وهو راض عنه.فقال عرفة بتحد: كاذبة أنت تعرفين يا ماكرة أنني …. ( ثم مغيرا نبرته) كيف عرفت بمكاني!- سألت عنك أول ما جئت، فقالوا لي: إنك عند الناظر فلبثت أنتظر.- ألم يقولوا لك إنني قاتل الجبلاوي ؟!فقالت بارتياع ما قتل الجبلاوي أحد وما كان في وسع أحد أن يقتله.-بل قتله الذي قتل خادمه.فهتفت بغضب كذب وافتراء، لقد مات الرجل بين يدي.وجد عرفة رغبة في البكاء لكنه لم يسفح دمعة واحدة، ورنا إلى المرأة بطرف منكسر، فقالت ببساطة: فوتك بعافية.” يموت عرفة في المشهد التالي مقتولًا، لتنتهي أولاد حارتنا نهاية تشاؤمية معبرة عن عصرها، بحنش باقٍ والأمل معلق. راثية لعرفة المعتد بفردانيته، النادم بعد فوات الأوان. على جانب آخر نهاية مغايرة يختارها محفوظ في “الحرافيش” معالجًا لأزمة عرفة. تلك النهاية متمثلة في استعادة عاشور الصغير للحارة في نهاية الرواية. وبرغم غياب الناجي الكبير إلا أن محفوظ لا يتوقف عن التمسك بالأمل، متجسدًا في التوت والنبوت. براءة الفرد وقوة الجماعة، وهما ما افتقد عرفة إليه..ـالاداب العالمية ـ مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم