متى أصبح الجنون تهمة؟ ميشيل فوكو وتاريخ إقصاء اللاعقل
ينظر ميشيل فوكو إلى الجنون باعتباره ظاهرة تشكلت تاريخيا داخل شروط ثقافية واجتماعية وأخلاقية واقتصادية محددة. فالجنون عنده لم يكن حقيقة موضوعية ثابتة تنتظر الاكتشاف العلمي، وإنما تشكل مفهومه من خلال الطريقة التي تعاملت بها المجتمعات مع ما اعتبرته خروجا عن العقل والنظام. ومن هنا يدرس فوكو تاريخ الجنون بوصفه تاريخا للعلاقة بين العقل واللاعقل، وللآليات التي رسمت حدود العقل عبر إقصاء ما وضعته الثقافة في الجهة المقابلة له.
تبدأ سيرورة هذا البناء الثقافي، وفق التتبع التاريخي الذي يقدمه فوكو، مع اختفاء مرض الجذام من القارة الأوروبية في نهاية القرون الوسطى. خلّف الجذام وراءه بنى إقصائية فارغة، ومساحات جغرافية ونفسية معزولة، ومخاوف اجتماعية تبحث عن موضوع جديد. ورثت شخصية “المجنون” هذا الإرث الإقصائي، فانتقلت دلالات النبذ والتطهير المرتبطة بالمجذوم لتُسقط على المجانين. ومع حلول العصر الكلاسيكي في القرن السابع عشر، تبلورت آليات الإقصاء في مؤسسة ضخمة فيما يسميه فوكو “الاعتقال الكبير”، وتحديدا مع تأسيس “المستشفى العام” في باريس سنة 1656.
مثّل هذا الاعتقال نقطة تحول في تاريخ اللاعقل. فالمستشفى العام افتقر إلى أي غاية طبية علاجية، وكان مؤسسة اقتصادية وأخلاقية خالصة. تمثلت وظيفة هذه المؤسسات في استيعاب الفئات التي تقف خارج عجلة الإنتاج ومقتضيات النظام العام. اختلط المجنون داخل هذه الأسوار بالفقراء والمشردين والمبذرين والمنحلين أخلاقيا. وتأسس معيار تشخيص الجنون في هذه المرحلة على مقتضيات العمل والأخلاق البرجوازية؛ فكل من يرفض الاندماج في منظومة العمل، أو يخرج عن قواعد السلوك القويم، يُصنف ضمن دائرة اللاعقل ويُلقى به في غيابات الاعتقال.
في أواخر القرن الثامن عشر، أعاد فوكو قراءة التحولات التي ارتبطت بأسماء مثل فيليب بينيل في فرنسا وصموئيل توك في إنجلترا ضمن تاريخ طويل من إعادة تنظيم العلاقة مع الجنون. ارتبطت هذه المرحلة بتغير أشكال التعامل مع المجانين، وانتقال السلطة من آليات الاعتقال المباشر إلى آليات نفسية وأخلاقية أكثر تعقيدا. تحولت العيادة النفسية إلى فضاء للمحاكمة الأخلاقية المستمرة، حيث استُعيض عن السلاسل بالشعور بالذنب، والمراقبة الدائمة، وتكريس التبعية المطلقة لسلطة الطبيب. واستمد الطبيب سلطته في هذا السياق من تفوقه الأخلاقي وقدرته على فرض الانضباط، لا من معرفة علمية بحقيقة المرض.
تكشف هذه الحفريات المعرفية أن العصر الكلاسيكي، وما تبعه من مأسسة للطب النفسي، دشن قطيعة نهائية بين العقل والجنون. أسكت العقل المنتصر صوت اللاعقل وحرمه من التعبير عن ذاته، فتحول الخطاب حول الجنون إلى مونولوج يلقيه العقل على نفسه حول موضوع فقد لغته.
[ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2006]
#ميشيل_فوكو #تاريخ_الجنون#سالم المعرفة#مجلة ايليت فوتو ارت.


