نيسان رأفت سليم :/- قصيدة النثر العراقية ::- معجم شعراء العرب: ذاكرة الشعر التي تجمع أجيال
Nissan Salim Raaft
لم يخبرهُ أحدٌ
إن الحياةَ، وجدت لتحيي قصص الحب ليس إلا…
وهكذا قبل أن تسدل الشيخوخةُ
ستارَها على آخرِ ما تمتلكه من ذاكرةٍ
حولَ سرٍّ يلفه الفضولُ
أعيدُ استذكاره كلما استطابتْ له الروحُ
وكأنَّني …
أتجددُ في هيئةٍ واحدةٍ
أحملُ نفسي في أشباهي الأربعين
أرصفُ ملامحي إلى بعضها
والبدايات…
محالٌ على المرءِ أن يدخلَها، ويخرجَ منها بنهاية
كأنها نقشُ شتاءٍ بسنارةِ الأمهاتِ
طوقتْ سابقاتُ القصص هالاتِها
كصبغة البُنِّ النيجيري حول مقلتيّ
لتحملَ شرودَ السؤالِ بفمٍ أبكم
وتصبحُ صورتي مثل لحاء كرمةٍ
محشوة جوانبي بأصوات كل الذين عرفتُ
وأحبّوني …
قضيتُ سنواتي المتعافيةَ أحاكي ذاتي
كمريضٍ نفسي أحاولُ رجمَ إبليس الذكريات دون جدوى
و المحنُ ترصُّ عظامي
ليفلتَ منها وخزُ الماضي
في صورةِ ذاك (الشيوعيّ) الذي عرفته أول أيام اكتمالي
مع تفتحِ براعمِ النارنج
أحاول استرداده بسكونِ اليوغا
وأغنياتِ الغجرِ بصوتِ (هاريس الإگريتية)
والخطى التي أخذني بها إليهِ
لأمكنةٍ، لا يُسمع فيها إلا همسُنا
والفضولُ المحمومُ، والقشعريرة
الخفقةُ تحاولُ خرقَ تفاصيلِه السرياليةِ
وحنينٌ غريبٌ يجذبني إليهِ
لم يكن أكثر من عامٍ
انتهى فيه كلُّ شيء
ولا أعرفُ كيف انتهى
….
لوحةٌ تشبه أنبياءَ العهد القديم
في ضفائرِ أحاديثِهِ فلسفةٌ تذوبُ في روحي
كالحديدِ المنصهرِ في صلابةِ وقْعها.
لم يطمح بأكثر مما ….
يسند قناعتَه
حصانٌ جامحٌ
لا يعرفُ كيفَ يمتطي صهوتهُ
لم يكن يعنيني من خيالاتِ بطولاتهِ الروائيةِ
سوى دخانِ سيجارتِهِ، وهو يحلق بي
إلى حيث أَنَتشي بعينيه، ومن ثم يختفي
لطالما احتفظتُ بـ(نوستالجيا) تلك الحقبة
ولا أريد أن أخسرها،
ولست ممن يهدرون حياتهم في وهم الشعارات
يسحبني إليه بحنين فاتر
كان نضاله لتجنيد أفكاري
أكثر شراسة من نضاله لانتمائه
مأخوذة بصدق كذبه المسرحي
ما جعلني أشعرُ بأنني مختلفة
لمجرد أنني أعرفُ ماركس
وأحمل سراً خطيراً في زمن المحظور
صديقي الشيوعي جعلني كالطفل الذي يتهجى أولى الكلمات…
مرة اعترف لي بأنني البطولة الوحيدة التي كسب رهانها
بعد كل هزائمهِ !!!!
كوني أمتلكُ فرادة مختلفة عن كلِّ النساءِ
ووجهاً طرياً أحيا يباسَ أطرافهِ
وفقأ عين واقعه البائس بي…
صديقي الشيوعي الذي لطالما أفتخر
بغنى فقرهِ، وانتمائهِ لفصيلٍ من الصعاليكِ
وروادِ الأرصفةِ، والأزقةِ المعدمةِ …
جعلني أستدينُ حواسَّ أخرى فوق حواسيَ الخمس
لأستوعب زمهريرَ ضياعهِ
وهو يقطعُ كلَّ يومٍ قطعةً من جسدهِ
يلوكها بمرارةِ الخوف.
إصرارهُ على التفاخرِ بالعدميةِ جعلني أفرُّ منهُ
حتى انتزعتُ منه عقلي…
كم كانَ لنا من قصائد وأمٍّ لخواتيم كثيرة
لم أندم على ليالٍ صرفتها باحثة في كتبِ (كارل ماركس)
وبعد أن كبرت عاد بي الزمان ليجعلني أعاصر
وأعيش بين زمرةٍ من الشيوعيين (….)
المفارقة أنهم يحملون نفس السمات
هي التباهي بالعدمِ، والشَّعر الأشعثِ
الذي ابيضَّ من دخانِ سجائرِهم الرخيصةِ
أكثرهم (فطاحل) بالشعر المغموسِ بفطرةِ الأرضِ.
لكنهم معتلون بالـ ( أنا )
كأنهم الديكة التي يضعونها مع قطيعِ الدجاجِ
فهم الأوفر حظاً في فهمِ الكونِ والطبيعةِ
حقيقة أنني لن أتفق على خيانتهم للشيوعي الأخير
الذي لبسوا جلدته حتى هذه اللحظة رغم فشلهم.
تلك الحقبة التي غدرت بالحياة، وخدعت الموت
باغتصاب عذرية المفاهيم الحق التي انتهت حيث بدأت
وتركت أسمالها لكلِّ دعيٍّ أشعث.
اليوم وبعد كل هذه المراحل التي سحقتها السنوات
أشعر برغبةٍ عارمةٍ في تقليب صفحاتها على عجَلٍ
كمن يلقي التحية على شواهد القبور
التي هدرتُها في مصطلحاتٍ ضخمة،
نسيت معظمها لكنني لم أنسَ
أنني كنت أريد الانعتاق من كل شيء، لا أكثر.
أحبُّ الشيوعيين أحبُّهم كما أحببت مراهقتي تماماً.
كما أحببت الـ(نزق) الثوريَّ الذي مسّني وقتذاك.
لقد ضاق قلبي ولم أعد أسمع نبضه
أصبح كزهرة متجمدة أخرس ذبولها البرد
كان هذا أول عقد قران مدني بين الحرية والسجين
لا شاهد عليه سوانا …
وعلى كثرة الرسائل وتعدد الشخوص،
إلا أنَّ رسالته كانت لها لذة كلسعةِ الثلج
هكذا يأخذنا العُمر إلى محطّاتٍ مُغلقةٍ
وأسئلةٍ خائبةٍ
علام يبكينا الليلُ؟.
لهذا تركنا على المقاعد تذاكرنا
بلا ختم كي لا نُتهم بسرقة هذا العُمر.
الذي لم يكنْ يوماً صديقنا
نيسان سليم رأفت شاعرة وكاتبة عراقية، تنتمي إلى جيل من الشعراء الذين جعلوا من التجربة العراقية، بما تحمله من حرب وفقد وذاكرة وحنين، مادة أساسية في الكتابة. وتشير المصادر المنشورة عنها إلى أنها من مواليد العراق عام 1974، حاصلة على بكالوريوس في التاريخ، وعملت في مجال التدريس التربوي.
صدر لها ديوانان شعريان هما «تلويحة إلى حارس الحقول» (2016) و«ثلاث جهات للجنوب» (2018)، كما شاركت في فعاليات أدبية، وذُكر حصولها على الوسام الذهبي من الأكاديمية العالمية للسلام، ولقب «شاعرة أدب الحرب والسلام».
ما يلفت في تجربتها أن الحرب عندها ليست مجرد حدث تاريخي أو سياسي، بل ذاكرة شخصية وإنسانية؛ فهي تكتب عن الموت والشهادة والفقد، ولكنها في الوقت نفسه تستعيد الحب والطفولة والأرض. وفي قراءة نقدية لديوانها ثلاث جهات للجنوب، رأى كريم عبدالله أن الموت والغياب والفقد تشكل محاور مركزية في الديوان، وأن تجربة الحرب تنعكس على الذاكرة والروح والعلاقات الإنسانية.
وتظهر في نصوصها أيضا عناية واضحة بالتفاصيل اليومية والصورة الشعرية. ففي قصيدة «ذاكرة السمكة» مثلا، تستدعي الشاعرة الطفولة والجنود والحروب والذاكرة المتعبة، لتحوّل الذاكرة الفردية إلى مساحة تتقاطع فيها سيرة الإنسان العراقي مع تاريخ بلد أنهكته الحروب.
أما لغتها، فتبدو في كثير من نصوصها وجدانية، مشهدية، ومشحونة بالحنين؛ تجمع بين الرقة والعنف، وبين صورة الوردة وصورة الحرب، وبين الحب بوصفه خلاصا والفقد بوصفه جرحا مستمرا. وفي حديث منشور لها، تصف هي نفسها مشروعها الشعري بأنه محاولة لـ«نشر النور» عبر الكلمة، وزرع الحب والحياة في قلوب القراء.
باختصار: يمكن النظر إلى نيسان سليم رأفت بوصفها شاعرة تحاول أن تجعل من القصيدة مساحة لمقاومة النسيان؛ فالعراق في شعرها ليس جغرافيا فقط، وإنما ذاكرة وطفولة وحرب وحب وفقد، ووطن يسكن اللغة بقدر ما تسكنه الشاعرة. وقد نشرت لها منصات أدبية عديدة قصائد ونصوصا، منها «نصوص زرقاء» و_«ذاكرة السمكة»_.
نيسان سليم رأفت – سيرة أدبية
نيسان سليم رأفت أديبة وشاعرة عراقية معاصرة، ولدت في العراق عام 1974. تنتمي إلى جيل التسعينيات وما بعده، الجيل الذي عاش الحصار والحروب والتحولات الكبرى في العراق، فانعكست تلك التجربة القاسية بعمق في لغته الشعرية ورؤيته للعالم.
حصلت على شهادة البكالوريوس في التاريخ، وعملت في السلك التربوي مدرسة، وهو ما منح كتابتها بعدا معرفيا وتوثيقيا، حيث يلتقي التاريخ الشخصي بالتاريخ العام للعراق.
بدأت الكتابة والنشر مبكرا، واتجهت إلى الشعر بوصفه مساحة للبوح والمقاومة والتذكر. صدر لها:
- ديوان “تلويحة إلى حارس الحقول” – 2016*
2.ديوان “ثلاث جهات للجنوب” – 2018*
وهما ديوانان يمثلان مشروعها الشعري الذي يتمحور حول الذاكرة العراقية.
شاركت في العديد من المهرجانات والفعاليات الأدبية داخل العراق وخارجه، ونشرت قصائدها في منصات وصحف عربية وعراقية عديدة، منها قصائد “ذاكرة السمكة” و “نصوص زرقاء” وغيرها.
ونظرا لطبيعة كتابتها التي تركز على آثار الحرب على الإنسان، حصلت على الوسام الذهبي من الأكاديمية العالمية للسلام، ولُقبت بـ شاعرة أدب الحرب والسلام
ملامح تجربتها الأدبية
تقوم تجربة نيسان الشعرية على ثنائية متلازمة: الحرب والحب.
فالحرب عندها ليست خبرا في نشرة الأخبار، بل جرح مقيم في البيت والجسد والذاكرة. تكتب عن الشهيد والفقد والغياب والأمهات الثكالى والمدن المدمرة. وفي المقابل تكتب عن الحب والطفولة والأرض والوردة كأشكال للمقاومة والنور.
لغتها وجدانية، مشهدية، تعتمد على الصورة المكثفة واللغة الرقيقة المشحونة بالحنين. وهي تحاول في مشروعها كما تقول هي نفسها “نشر النور عبر الكلمة”.
باختصار، نيسان سليم رأفت شاعرة تجعل من القصيدة وثيقة ضد النسيان، ومن اللغة بيتا بديلا عن الوطن حين ينهكه الفقد.
#منصة شعر شعراء# مجلة ايليت فوتو ارت.


