ذاكرة سوريا الرياضية.. حين كان للمباريات أصوات لا تُنسىفي ذاكرة السوريين الرياضية، لا تسكن المباريات وحدها، بل تسكن معها أصواتٌ كانت تدخل البيوت من خلف المذياع وشاشة التلفزيون، فتجعل من تسعين دقيقة حكاية كاملة؛ أصواتٌ عاشت معها أجيال فرحة الهدف، وقلق اللحظات الأخيرة، ومرارة الخسارة. وكان التعليق الرياضي السوري، في واحدة من مراحله الأجمل، مدرسة لها ملامحها الخاصة، يقف في مقدمتها الراحل عدنان بوظو، الذي لم يكن مجرد معلق، بل أحد أبرز رواد الإعلام الرياضي السوري؛ جمع بين التعليق والتقديم والكتابة والإعداد، وظل صوته الهادئ ومفرداته حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد رحيله عام 1995.ومن تلك المدرسة خرج ياسر علي ديب، الذي بدأ طريقه في التلفزيون السوري بعد اختياره ضمن مسابقة لانتقاء المعلقين، ثم أصبح أحد أشهر الأصوات السورية والعربية. عمل في التلفزيون السوري سنوات طويلة، وقدم برنامج الأحد الرياضي، قبل أن ينتقل إلى شبكة أوربت ويخوض تجربة عربية واسعة امتدت نحو 26 عاماً. وكان ديب دائماً يذكر فضل بوظو عليه، مؤكداً أن المبدع لا خليفة له، وأن أثر بوظو امتد إلى أجيال من المعلقين.وفي تلك الذاكرة أيضاً يحضر وجيه شويكي، أحد الأصوات التي ارتبطت بالتعليق السوري، وخصوصاً من خلال مشاركاته في النقل الرياضي إلى جانب زملائه. وربما تحوّل بعض ما كان يقال على الهواء إلى طرائف يتداولها الجمهور، لكن ذلك بحد ذاته يكشف مقدار حضور هؤلاء المعلقين في الحياة اليومية للسوريين؛ فقد كانوا شخصيات مألوفة تدخل بيوتهم في موعد المباراة وتصبح جزءاً من أحاديثهم وذكرياتهم.أما جوزيف بشور، فله حكاية أخرى في هذه الذاكرة؛ بدأ مذيعاً في إذاعة صوت الشعب، ثم تولى الإشراف على البرامج الرياضية في الإذاعة والتلفزيون، وقدم برامج رياضية وعمل معلقاً على مباريات الدوري والمنتخب السوري، كما اختير عضواً في اللجنة المؤقتة لاتحاد كرة القدم السوري. ومن التفاصيل الطريفة التي التصقت باسمه علاقته على الهواء بزميله وجيه شويكي، حتى أصبحت عبارة «زميل وجيه» و«نعم زميل جوزيف» جزءاً من الذاكرة الشعبية المحيطة بالتعليق الرياضي السوري.ويأتي إياد ناصر من جيل آخر حمل تلك الراية إلى سنوات أكثر حداثة.وتخرج في كلية الإعلام بجامعة دمشق، والتحق بدائرة البرامج الرياضية. لكن اسمه ارتبط بصورة خاصة بالمباريات التاريخية لنادي الكرامة في دوري أبطال آسيا عام 2006، حين تحولت حماسته وتعاطفه مع الفريق السوري إلى جزء من أجواء تلك الرحلة الآسيوية الاستثنائية. وقد وثقت تسجيلات مباريات الكرامة في البطولة تعليق ناصر على عدد من اللقاءات، فيما أشارت مصادر صحفية إلى أن تلك التجربة جعلته واحداً من أبرز الأصوات التي بقيت في ذاكرة الجمهور السوري.هؤلاء المعلقون لم يكونوا مجرد أصوات تصف ما يحدث داخل الملعب؛ كانوا جزءاً من المشهد نفسه. كان المشاهد السوري قد يعرف المباراة من نبرة المعلق قبل أن يرى الكرة تدخل الشباك، ويعرف خطورتها من ارتفاع صوته، وفرحته من ضحكته، وحسرة الخسارة من الصمت الذي يأتي بعد صافرة النهاية. وربما لهذا بقيت أصواتهم في الذاكرة حتى لدى أجيال لم تعد تشاهد التسجيلات القديمة إلا على الإنترنت.وما يميز التجربة السورية أن عدنان بوظو لم يترك وراءه مجرد أسلوب في التعليق، بل ترك مدرسة؛ وهو ما أكده ياسر علي ديب نفسه حين تحدث عن تأثيره في المعلقين السوريين،ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن السوريين لا يتذكرون هؤلاء المعلقين فقط لما قالوه عن كرة القدم، بل لما صنعوه حولها من ذاكرة مشتركة. فالمباراة تنتهي، والنتيجة تُنسى أحياناً، واللاعبون يعتزلون، لكن الصوت يبقى؛ صوت يقول لنا إن هناك زمناً كانت فيه الرياضة موعداً عائلياً، وكانت الكرة السورية تُروى بلهجة سورية، وكان للمباراة صوت يعرفه الجميع.هكذا تبقى ذاكرة سوريا الرياضية معلقة بين المدرجات ومكبرات الصوت، بين صورة أبيض وأسود وميكروفون قديم، وبين جملة قالها معلق ذات مساء فحفظتها البيوت. عدنان بوظو، ياسر علي ديب، وجيه شويكي، جوزيف بشور، إياد ناصر، وأسماء أخرى كثيرة لم يكونوا عابرين في تاريخ الرياضة السورية؛ كانوا شهوداً على زمن كانت فيه المباراة حدثاً، وكان صوت المعلق جزءاً من فرحتها، ومن حكايتها، ومن ذاكرة الوطن.#سوريات_souriatسمر عزيز#مجلة ايليت فوتو ارت.


