مقاربة لسانية في فكر ابن جني،لين البناية الصوتية وانتاج المعني.

تقاطعات الأصواتية والدلالة عند ابن جني: مقاربة لسانية في العلاقة بين البنية الصوتية وإنتاج المعنى مقدمةيُعدّ (ت 392هـ) أحد أبرز علماء العربية الذين أسهموا في تأسيس رؤية لسانية متقدمة للعلاقة بين الصوت والمعنى. فقد تجاوز التصور التقليدي الذي ينظر إلى الأصوات بوصفها وحدات وظيفية مجردة، إلى تصور يجعلها مكونًا دلاليًا فاعلًا في إنتاج المعنى وتوجيهه. ويكشف كتابه الخصائص عن وعي عميق بتفاعل المستويات اللغوية، ولا سيما المستوى الصوتي والمستوى الدلالي، الأمر الذي يجعل مشروعه قريبًا في جوانب عديدة من بعض الاتجاهات اللسانية الحديثة، خاصة اللسانيات الإدراكية والرمزية الصوتية.تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الأسس النظرية التي قامت عليها العلاقة بين الأصوات والدلالة عند ابن جني، وبيان أهم تجلياتها، مع مقارنتها ببعض التصورات اللسانية المعاصرة.أولًا: الصوت بوصفه عنصرًا دلاليًاينطلق ابن جني من تصور يرى أن الأصوات ليست مجرد وسيلة لنقل المعاني، بل إنها تشارك في تشكيلها. فاللغة عنده نظام تتآزر فيه الأصوات والصيغ والتراكيب لإنتاج الدلالة، ولذلك اهتم بدراسة صفات الحروف ومخارجها وعلاقتها بطبيعة المدلول.ويظهر ذلك في قوله المشهور عن إمساس الألفاظ أشباه المعاني، حيث يقرر أن بين بعض الأصوات وبعض المعاني مناسبةً طبيعية تجعل اللفظ أكثر قدرة على تجسيد مدلوله. فالأصوات الشديدة والانفجارية كثيرًا ما تقترن بمعاني القوة والصلابة، بينما ترتبط الأصوات الرخوة بمعاني اللين والامتداد والهدوء.وهذا التصور يكشف عن وعي مبكر بما يُعرف اليوم بالرمزية الصوتية (Sound Symbolism)، التي تؤكد أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية على نحو مطلق.ثانيًا: إمساس الألفاظ أشباه المعانيتمثل هذه الفكرة إحدى أهم الإسهامات اللسانية عند ابن جني، إذ يلاحظ أن العرب كثيرًا ما اختارت أصواتًا معينة لتصوير معانٍ مخصوصة.ومن أمثلة ذلك:- الخضم: للأكل الرطب اللين.- القضم: للأكل اليابس الصلب.فالخاء صوت رخو يناسب الرخاوة، بينما القاف صوت شديد يناسب الصلابة.وكذلك يفرق بين ألفاظ مثل:- صرّ- صلصل- قعقعة- خريرحيث يرى أن البنية الصوتية نفسها تسهم في رسم الصورة السمعية للحدث.ولا يعني ذلك أن جميع الألفاظ تقوم على هذه العلاقة، وإنما يرى أنها ظاهرة يمكن ملاحظتها في عدد معتبر من ألفاظ العربية.ثالثًا: المحاكاة الصوتيةاهتم ابن جني بما يسمى اليوم بالمحاكاة الصوتية (Onomatopoeia)، فلاحظ أن بعض الكلمات تحاكي أصوات الظواهر الطبيعية والحيوانات.ومن أمثلتها:- خرير الماء.- صهيل الفرس.- نعيق الغراب.- حفيف الأشجار.- أزيز الريح.وتكشف هذه الظاهرة عن وجود علاقة مباشرة بين البناء الصوتي والواقع المحسوس، وهو ما ينسجم مع كثير من الدراسات اللسانية الحديثة.رابعًا: صفات الأصوات وأثرها في إنتاج المعنىيربط ابن جني بين الصفات الصوتية للحروف وبين القوة التعبيرية للألفاظ.فالأصوات الشديدة مثل:- القاف.- الطاء.- الضاد.توحي بالقوة والصلابة.أما الأصوات الرخوة مثل:- السين.- الشين.- الفاء.فتوحي بالامتداد واللين والانسياب.كما أن التكرار الصوتي يؤدي وظيفة دلالية، فزيادة الأصوات قد تعكس زيادة الحدث أو استمراره أو شدته، وهو ما يجعل البنية الصوتية ذات وظيفة سيميائية، وليست مجرد إطار شكلي.خامسًا: ابن جني واللسانيات الحديثةتكشف الدراسات اللسانية الحديثة عن تقاطعات واضحة بين تصور ابن جني وبعض الاتجاهات المعاصرة.فالرمزية الصوتية ترى أن بعض الأصوات ترتبط إدراكيًا بمعانٍ معينة، وهو ما يتوافق مع ملاحظات ابن جني.كما تؤكد اللسانيات الإدراكية أن اللغة ليست نظامًا اعتباطيًا خالصًا، بل تتفاعل فيها الخبرة الإنسانية والإدراك الحسي مع البناء اللغوي.ومن جهة أخرى، فإن موقف ابن جني يبدو أكثر مرونة من الموقف البنيوي الذي تبناه ، إذ يرى سوسير أن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية في الأصل، بينما يقر ابن جني بوجود اعتباط في كثير من العلامات اللغوية، لكنه يثبت أيضًا وجود حالات من المناسبة بين الصوت والمعنى.سادسًا: القيمة اللسانية لنظرية ابن جنيتتجلى أهمية أفكار ابن جني في عدة جوانب:- الربط بين الأصوات والدلالة ضمن رؤية متكاملة.- تفسير جانب من الظواهر المعجمية اعتمادًا على الخصائص الصوتية.- استباق كثير من النظريات الحديثة في الرمزية الصوتية.- تأكيد التفاعل بين المستويات الصوتية والصرفية والدلالية.- إغناء الدراسات اللسانية العربية برؤية تجمع بين الوصف والتفسير.خاتمةتكشف دراسة العلاقة بين الأصوات والدلالة عند ابن جني عن مشروع لساني متقدم سبق عصره في كثير من جوانبه. فقد أدرك أن الصوت ليس وعاءً محايدًا للمعنى، وإنما عنصر يشارك في إنتاجه وتوجيهه، وأن الخصائص الصوتية قد تحمل قيمًا إيحائية تؤثر في تلقي الخطاب وفهمه. وتؤكد المقارنة مع اللسانيات الحديثة أن كثيرًا من أفكاره ما زالت تحتفظ براهنيتها، الأمر الذي يجعل إعادة قراءة تراثه ضرورة علمية لإبراز إسهام اللسانيات العربية في تاريخ الفكر اللغوي.المراجع1. ابن جني. الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب.2. ابن جني. سر صناعة الإعراب، تحقيق حسن هنداوي، دار القلم.3. . دروس في اللسانيات العامة.4. . اللغة وعلم اللغة.5. . مختارات في اللسانيات والشعرية.6. Hinton, Nichols & Ohala (eds.). Sound Symbolism. Cambridge University Press, 1994.7. John Ohala. “The Frequency Code underlies the Sound-Symbolic Use of Voice Pitch”

#اللسانيات مدارس ومناهج#مجلة تيليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم