مقاربة فلسفية في مشروع سردي عراقي..رحيل لطيفة الدليمي.

لطفية الدليمي: الكاتبة التي جعلت الرواية تفكّر

عباس عبدالرزاق

مقاربة فلسفية في مشروع سردي عراقي برحيل الكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي لا تفقد الثقافة العراقية مجرد اسم بارز في عالم الرواية والقصة، بل تفقد أيضاً تجربة فكرية نادرة حاولت أن تجعل من الأدب مساحة للتفكير العميق في الإنسان والعالم. لقد كانت الدليمي من الكاتبات اللواتي لم يكتبن الرواية بوصفها حكاية فحسب، بل بوصفها طريقة لفهم الوجود.ففي عالمها السردي لا تتحرك الشخصيات داخل حبكات تقليدية بقدر ما تعيش داخل شبكة معقدة من الأسئلة: أسئلة الزمن، الذاكرة، المصير، والإنسان الذي يجد نفسه دائماً في مواجهة عالم يتغير بعنف.الرواية بوصفها معرفةتتجاوز تجربة الدليمي حدود السرد الواقعي المباشر. فالرواية لديها ليست انعكاساً للواقع بقدر ما هي محاولة لفهمه وتأويله.وهنا تقترب من التصور الذي طرحه الروائي والمفكر ميلان كونديرا حين اعتبر أن الرواية هي الفن الذي يكتشف مناطق مجهولة في الوجود الإنساني.في هذا الأفق تصبح الكتابة فعلاً معرفياً. فالشخصيات في نصوص الدليمي ليست مجرد أدوات للحبكة، بل كائنات تبحث عن معنى حياتها داخل عالم مضطرب. إنها شخصيات تعيش في منطقة بين الواقع والتأمل، بين التجربة اليومية والسؤال الفلسفي.وهذا ما يمنح أعمالها طابعاً خاصاً يجعلها أقرب إلى الرواية التأملية التي لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى اكتشاف ما يكمن خلفها من أسئلة وجودية.الإنسان في زمن الانهياراتعاشت الدليمي تاريخ العراق الحديث بكل تحوّلاته العاصفة: الحروب، الحصار، الانقسامات، والهزات الاجتماعية الكبرى. لكن هذه التجربة التاريخية لم تتحول في نصوصها إلى خطاب سياسي مباشر، بل إلى تأمل إنساني في مصير الفرد داخل عالم مهدد بالخراب.في روايتها الشهيرة سيدات زحل يتجلى هذا الوعي بوضوح. فالرواية لا تكتفي برصد آثار العنف والحروب في المجتمع العراقي، بل تحاول أن تكشف كيف يتشكل وعي الإنسان داخل هذه الظروف القاسية.إن الخراب في عالمها ليس مجرد حدث خارجي، بل تجربة داخلية يعيشها الإنسان وهو يحاول أن يحافظ على إنسانيته وسط الفوضى.الخيال العلمي بوصفه أفقاً للتفكيرمن السمات اللافتة في تجربة الدليمي حضور الخيال العلمي والمعرفة الكونية داخل نصوصها.فهي لم تنظر إلى الأدب بوصفه عالماً مغلقاً داخل حدود المجتمع المحلي، بل كانت ترى أن الإنسان جزء من كون واسع، وأن الأدب قادر على استكشاف هذه العلاقة بين الإنسان والكون.في كثير من نصوصها نجد إشارات إلى الفضاء والزمن والعلوم الحديثة. وهذه العناصر لا تأتي بوصفها زينة معرفية، بل بوصفها محاولة لتوسيع أفق الرواية العربية لتصبح قادرة على التفكير في أسئلة كونية.إن هذا التوجه يمنح كتابتها طابعاً فريداً داخل السرد العربي، حيث تتحول الرواية إلى مساحة يلتقي فيها الخيال الأدبي بالمعرفة العلمية.المرأة كوعي إنسانيتُعد الدليمي واحدة من أبرز الأصوات النسوية في الأدب العراقي، لكن خصوصية تجربتها تكمن في أنها لم تقدّم المرأة بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها وعياً إنسانياً قادراً على إعادة قراءة العالم.المرأة في نصوصها ليست مجرد شخصية اجتماعية، بل كائن يمتلك حساسية خاصة تجاه الحياة. إنها تمثل غالباً الذاكرة الأخلاقية للمجتمع، والصوت الذي يحاول أن يحافظ على إنسانية العالم في مواجهة العنف.في هذا السياق يمكن القول إن مشروعها النسوي يتجاوز حدود الخطاب الاحتجاجي ليصبح جزءاً من رؤية أوسع ترى أن تحرر المرأة هو جزء من تحرر الإنسان نفسه.الترجمة كفعل حضاريلم يكن نشاط الدليمي في الترجمة نشاطاً ثانوياً إلى جانب الكتابة، بل كان جزءاً أساسياً من مشروعها الثقافي. فهي كانت تدرك أن الثقافة لا يمكن أن تتطور في عزلة، وأن الأدب العربي يحتاج إلى حوار دائم مع الثقافات الأخرى. ومن خلال عملها في الترجمة سعت إلى إدخال القارئ العربي في تفاعل مع الفكر العالمي، محاولة خلق جسر معرفي بين الثقافات. إن الترجمة في هذا المعنى ليست مجرد نقل للنصوص، بل فعل ثقافي يسعى إلى توسيع أفق التفكير وإثراء التجربة الإنسانية.الأدب بوصفه مقاومةرغم كل ما يحيط بعالمها من ألم وخراب، فإن نصوص الدليمي لا تستسلم لليأس. فالكتابة عندها تبدو كأنها شكل من أشكال المقاومة الهادئة. إنها مقاومة لا تعتمد على الشعارات، بل على الإيمان بأن الأدب قادر على إنقاذ شيء من إنسانية العالم. فاللغة، في نهاية المطاف، يمكن أن تصبح ملاذاً يحفظ الذاكرة ويمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.تمثل تجربة لطفية الدليمي واحدة من التجارب النادرة في الأدب العربي التي حاولت أن تجعل الرواية فضاءً للتفكير الفلسفي في الإنسان والكون. لقد كتبت نصوصها كما لو أنها تحاور الزمن وتسأل العالم عن معنى وجوده. وبرحيلها يخسر الأدب العراقي صوتاً كان يسعى إلى بناء علاقة جديدة بين السرد والفكر، بين الخيال والمعرفة. لكن إرثها الأدبي سيبقى شاهداً على إمكانية أن تكون الرواية أكثر من مجرد حكاية؛ أن تكون طريقة للتفكير في الحياة نفسها.فالروايات التي تُكتب من داخل السؤال الوجودي لا تموت، بل تظل قادرة على إضاءة الطريق أمام القراء، جيلاً بعد جيل..

# عباس عبد الرزاق# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم