معرض أخاديد للتشكيلي أسامة حمدي.

أيدي أسامة حمدي:(معرض أخاديد- قاعة حامد سعيد- البصرة)في قصة قصيرة جدا للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار، عنوانها “خط اليد”، يتحرك سطرٌ في رسالة ملقاة فوق طاولة، ويجري على طول لوح الصنوبر ثم ينزل عبر إحدى القوائم، ويستمر في الحركة على الأرضية الخشبية، ثم يتسلق الجدار ويدخل في لوحة منسوخة لـ«بوشيه” حيث يرسم ظهر امرأة مستلقية على الأريكة. أخيراً ومن خلال السقف، يخرج من الغرفة وينحدر عبر شبكة مانع الصواعق ليبلغ الشارع ويصعد عبر إحدى العجلات، إلى حافلة ركاب مركونة في الزاوية، تُقلّه إلى المرفأ. وهناك ينزل السَّطر عبر جورب راكبة شقراء، زاحفاً في مساره إلى أن يصل رصيف المرفأ الكبير، ويصعد إلى باخرة ذات توربينات هادرة، يجري عبر صفائح سقف التغطية لحجرة الدرجة الأولى، ويدخل إحدى القمرات، حيث رجل حزين يشرب الكونياك وينصت إلى صفارة الانطلاق، فيتسلق خطَّ الدّرزِ في سروال الرجُل، وينزلق إلى مرفقه من خلال صدريّته؛ وبجهد أخير يأوي إلى كفّ يده اليمنى، التي كانت في تلك اللحظة تنغلق على مقبض مسدس. تشي قصة كورتاثار، المركّزة في مقطع متّصل، لا توقُّف لكلماته، بقوة العين وتأثيرها في تحريك السَّطر من موضعه في الرسالة، وتحرير طاقته الكامنة في نهاية الخطّ. مقابل هذا التأثير التدميريّ للخطّ السرديّ، تتتبّع العينُ التشكيلَ البصريّ أخاديدَ مجموعة أيدٍ نسائية، رسمَها أسامة حمدي بترافةٍ وجمال مقطوعين عن أصولهما المرجعية. خطّ القصة القاتل، ورسمة الكفّ الناعمة، كلاهما، أثران رمزيّان، دالّان على ما تصنعه العين/ الرؤية النافذة إلى أعماق النسيج الغامض لموضوعاتٍ غير مصرَّح بالكشف عنها. وفي اللوحات السَّبع المعروضة بحجوم كبيرة، ما يشي بهذا التعبير عن حركاتٍ توقّفت في لحظة احتدام مفاجئة (عناق، لطم، ارتخاء، يأس) ونماذج لمقاطع رسائلية ملقاة على سطح معتم أو أخضر عكر، تريد الحركة والتحرُّر من قيد خفيّ/ محرَّم يشدُّها إلى مكانها (لا مكان الجسد الأصليّ، إنّما مكان المفاجأة التشكيلية). لا تعود الأيدي، المرسومة بدقة أكاديمية، إلى وضعٍ إنسانيّ حيّ، مكتمل أو مريح، رغم تزيين أصابعها بالحليّ الذهبية، بل تبدو في وضعها المجزوء من أجسادها، كما لو أنّها أعضاء مبتورة، ملقاة على سطوح مناضد التشريح في مشرحة الطبّ العدليّ: طريّة ونظيفة ومغرية. وإذا عدنا إلى مقارنة اللوحات بقصة كورتاثار، فالأيدي المعروضة تبدو وكأنّها فرغت للتوّ من طقسها النسويّ (في مأتم، عُرس، حمّام، سرير حبّ). ولا يخطر ببال مشاهد أن يقرن أعمالها بعمل الخطّ الأثيم في القصة. إنّها أرفعُ من أن تنحدر إلى قرار أعمق من السطح الذي فوجئت عليه، لحظة التشكيل. لا يمكن لأيّ محاكاة تجميلية، أو فعل سرديّ_ رمزيّ، أن يحرّك هذه الأيدي من موضعها في اللوحات. كذلك لا يمكن لأيّ موديل بشريّ أن يقدّم عرضاً تشبيهياً/أدائياً يضاهي أوضاعها الفجائية. كانت هذه الأعضاء (الأيدي المختارة بعناية مفرطة في التجميل والمضاهاة الانسانية) قد قَطعت علاقتها بأيّ مصدر يشير إلى طبقتها الاجتماعية أو ميولها الجنسية: اكتفت بوجودها التشكيلي الباهر، المهيَّأ للمشاهدة العلنية. ولسوف تعود في نهاية العرض إلى خفائها في خزانة الأرشيف الشخصي للفنان. ستعود بعد أن أوفت بعقدها الجماليّ مع الفنان الذي حرّرها من قيودها في خزانة الطقوس اليومية. سنخضع جميعاً لقوة الفنّ في تقديم براهين ساطعة على مرور الزمن، وحفر الأخاديد على بشرات أيادينا، المستسلمة لقدَرِها الغاشم. ففيما يسرد كورتاثار رحلة خطّ اليد الكاتبة بسرعة متواصلة وقصيرة، فإنّ أسامة حمدي يؤبّد حركة الزمن على الأيدي الفاعلة، مدة قد تطول بطول الأرشيف البصريّ لآلاف الأيدي الباردة، برودة الموتى. نعم. ما أعظم اللحظة- لحظة المشاهدة- حين تكفّ حركة الأيدي عن سرد قصتها الطويلة.. الطويلة جدا، دونما انتهاء.. وتسكت الألسن عن تأويل هذه القصة!

#النقد والفن التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم