مسيرة التشكيلي: محمد نذير بارودي الفنان الذي خبّأ دمشق داخل لوحات الضوء.

محمد نذير بارودي الفنان الذي خبّأ دمشق داخل لوحات الضوء

ثمة فنانون يرسمون ما تراه العين، وثمة فنانون نادرون يرسمون ما يخشاه القلب من الضياع، وكان محمد نذير بارودي واحدًا من هؤلاء القلائل الذين حملوا دمشق في وجدانهم كما تُحمل الصلاة في الروح. لم تكن المدينة بالنسبة له مجرد مكانٍ للعيش، بل ذاكرة حيّة تتنفس في الحجارة القديمة، وتنام في الياسمين المتدلّي من الشرفات، وتختبئ في صمت الأزقة العتيقة حين يهبط المساء على الحارات الشامية. لذلك لم يرسمها بوصفها مشهدًا بصريًا فقط، بل بوصفها إحساسًا كاملًا بالدفء والحنين والانتماء.
منذ طفولته في حي العمارة الدمشقي، كان مأخوذًا بتلك التفاصيل الصغيرة التي يمرّ الناس قربها دون أن ينتبهوا إليها؛ باب خشبي نصف مفتوح، ظلّ قنطرة قديمة، صوت بائع يختلط برائحة القهوة، أو ضوء شاحب ينساب على حجارة البيوت العتيقة. كل تلك المشاهد تحوّلت مع الزمن إلى عالمه الفني الخاص، حتى بدت لوحاته كأنها محاولة دائمة لإنقاذ اللحظات الهاربة من النسيان.
لم يكن بارودي مولعًا بالماضي بدافع الحنين التقليدي، بل كان يشعر أن التراث روحٌ مهددة بالغياب، وأن الفن قادر على حمايتها أكثر من الكتب والوثائق. لذلك جاءت أعماله نابضة بالحياة، لا تشبه اللوحات الجامدة بقدر ما تشبه النوافذ المفتوحة على زمنٍ أكثر دفئًا وطمأنينة. في كل لوحة كان يمنح المكان قلبًا، ويمنح الأشياء البسيطة قيمةً إنسانية عميقة؛ فتبدو القهوة الشعبية كأنها وطن صغير، وتتحول الحارة الدمشقية إلى قصيدة طويلة من الضوء والسكينة.
وبرغم إنجازه مئات الأعمال التشكيلية، بقي يرسم دمشق كما لو أنها المرة الأولى التي يراها فيها. كان يعود إلى المدينة في كل لوحة بعين عاشق لا يملّ التأمل، فيرسم البحرات والياسمين والمشربيات والأبواب الملونة بحنانٍ واضح، حتى يشعر المتلقي أن اللوحة لا تُشاهد فقط، بل تُعاش بكل ما فيها من أصوات وروائح وذكريات.
أما اللون الأحمر الذي تكرر كثيرًا في أعماله، فلم يكن تفصيلًا جماليًا عابرًا، بل نبضًا شخصيًا يحمل أثر والده ودفء البيوت القديمة وهيبة الزمن الدمشقي الجميل. ولهذا بدت ألوانه دائمًا قريبة من الروح، هادئة دون برود، ومضيئة دون صخب، كأنها تعرف الطريق إلى ذاكرة الناس مباشرة.
محمد نذير بارودي لم يكن مجرد فنان تشكيلي يوثق التراث، بل صار حارسًا خفيًا لذاكرة دمشق، ورجلًا استطاع أن يوقف الزمن قليلًا كي يمنح المدينة فرصة أخرى لتكتنز في القلب.
………………………..

سائلين_ياشآم

تحرير #سوريات_Souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم