مدرسة الهم العام .. دروس لا تُنسى

في مدرسة الحياة يا سادة، لا يوجد جدول حصص، ولا جرس فُسحة، ولا حتى حصة ألعاب. هناك فقط “حصة همّ عام” يومية… تبدأ من لحظة ما تصحى، وتنتهي لما تنام إذا نمت أصلًا!

تبدأ اليوم بمحاولة شجاعة لغلي كوب شاي، فتكتشف أن الكهرباء قاطعة، والمياه مقطوعة، والغاز “بيفكر في نفسه”… وهنا تفهم أول درس فلسفي في الوجود: أن السعادة لا تأتي من الخارج، بل من الغلاية إذا اشتغلت!

وينتهي بمحاولة لفهم معنى الحياة،كولدٍ يجلس على عود كبريتٍ موقد… يحاول أن يتدفأ دون أن يحترق.

تقرر أن تبدأ يومك برياضة الصباح، لكن حين تنهض تجد أن ظهرك أعلن الإضراب العام، وركبتك اليمنى بتتفاوض مع الشمال. وهنا تدرك الحقيقة الكونية الكبرى: الجسد لا يشيخ… هو فقط يعقد اتفاقيات سلام مع الكسل.

تفتح التلاجة لتفكر في الغداء، فتجدها خالية إلا من بصلة متجمدة ونصف ليمونة جافة تنظر إليك بعين الحرج. عندها تتأمل الوجود وتقول: الفراغ ليس فكرة فلسفية… إنه التلاجة بعد منتصف الشهر.

تخرج إلى الشارع متحمسًا للعمل، فتعلق في الزحمة ساعتين بلا حركة. هناك، وسط الأبواق والتنهيدات، تفهم أن “الزمن نسبي”، وأن دقيقتين في إشارة المرور أطول من عامين في الحب.

تحاول أن تكون إيجابيًّا، فتصعد السلم بابتسامة، لتكتشف أن المصعد اشتغل أول ما وصلت للدور الأخير. هنا تدرك درس الحياة الأعمق: المكافأة لا تأتي إلا بعد فواتها بثوانٍ… أو بعد فوات النفس.

تفتح هاتفك لتلهو قليلاً، فتقع على فاتورة الإنترنت الجديدة. تتنهد وتقول في نفسك: “يا ليتنا نستطيع حذف الحياة كما نحذف التطبيقات.”

ثم تدرك أن الحرية الرقمية أسهل بكثير من الحرية الواقعية.
تجلس تشاهد الأخبار لتعرف الجديد، فتكتشف أن الجديد هو نفسه القديم… مع موسيقى مختلفة.

فتهمس في داخلك: “الزمن لا يدور، بل يعيد نفس الحلقة بجودة أقل.”

تقرر أن تنام مبكرًا لتحيا حياة صحية… ثم تتذكر الفواتير، والمصاريف، ورسالة “أينك؟” التي لم ترد عليها.

فتدرك أن الأرق ليس مرضًا نفسيًا، بل أسلوب حياة وطني.
وفي وسط الزحمة، تتعلم الدرس : الناس في الرخاء كأنهم خُضَر طازجة في السوق… وفي الشدة تكتشف أن أغلبهم “بطاطس بايتة” تحتاج إلى تقشير قبل الاستخدام. فالمحن يا عزيزي لا تصنع الرجال فقط، بل تكشف أيضًا “النسخ التجريبية” منهم.

أما عن الصداقة، فهذه مادة فرعية اسمها “منهج الوجوه المتغيرة”. فيها تتعلم أن الذي كان يملأ صفحتك بالقلوب الحمراء على الفيسبوك، لن يرسل حتى “لايك” واحد لما تقع في مصيبة حقيقية. بينما الشخص اللي كنت فاكره “كئيب بطبعه”، هو اللي هيقف جنبك يقول: “تعالى افطر عندي”.

الطريف أن الأوقات الصعبة هي أصدق فصول السنة: تذيب السكر من القلوب، وتترك فقط النكهة الحقيقية. عندها تكتشف أن البساطة كنز، وأن الضحك في وسط الهم مش جنون… ده نوع من المقاومة.

العبرة يا حضرات؟

أن الحياة ليست ظالمة كما نظن، بل ذكية جدًا. تمتحننا مش علشان تسقطنا، لكن علشان تخلّصنا من اللي بيغشّوا معانا. تخلّينا نعرف مين اللي كان بيتكلم بلسانه، ومين اللي كان بيتكلم بقلبه.

وفي النهاية، نخرج من “مدرسة الهم العام” متعبين… آه، لكن ناجحين بتقدير امتياز في فهم البشر.

وكل سنة وأنت ناجح في الدورة القادمة من الحياة، لأنها مهما بدت صعبة بتخلّف وراها ابتسامة ساخرة بتقول:
“الحمد لله… نجينا من المنهج القديم!”
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم