محمد العامري تشكيلي يعيد،صياغة اللون من الباطن

محمد العامري وجغرافيا اللون الباطنة مليحة

مسلماني

يحضر كتيّب “عين ثالثة” كمسافة ضوئية بين اللوحة والذاكرة. هو كتابٌ صغيرٌ صدر مع افتتاح معرض الفنان محمد العامري في غاليري “دار المشرق” بعمّان. يجمع الكتيّب أطياف أعمال العامري، ويضع أمام القارئ نصين افتتاحيّين يؤسّسان لقراءة مزدوجة: واحدة تأتي من قلب العملية الإبداعية، وهي صوت الفنان في أكثر لحظاته صفاء، بينما تنفتح الأخرى على بصيرة نقدية بمنظور تأمّلي يعيد تنظيم المشهد من الخارج، وهي نص الناقد والفنان المغربي إبراهيم الحيـسن. تُعرِّف الصفحات الأولى بالعمل كحقلٍ للفعل وللشهود: الرسم عند العامري ليس سطحًا يستقبل علامات، بل فضاءٌ تنشأ فيه رؤيةٌ معرفية شغوفة تتبع فعل اللون بقدر ما تتبع مقامات الروح؛ حوارٌ بين الماء والضوء، بين الطيف والذاكرة، وبين البنى الشكلية والإيقاعات التي تشكّل الجسد اللوني في اللوحة.تنبسط اللوحات بعد النصّين كسلسلة من التحوّلات اللونية، التي تنبض بإيقاعٍ خاصّ يرافق القارئ، كأنّه يدخل مسارًا مشتركًا بين الذاكرة واليد والضوء: خطابٌ بصريّ يتشكّل عبر طبقات من الحسّ والفكر، نورٌ يتعاقب مع عتمة، نهرٌ يعترضه انعكاس، ضرباتُ فرشاة تتقدّم كما لو أنها تتلمّس الطريق في فضاءٍ يتكوّن لحظة بلحظة. هذه البنية الإيقاعية هي ما يصنع هوية الكتيّب، وهي التي ستوجّه قراءتنا للنصّين، ثم للّوحات، بوصفها مَواطنَ كشفٍ وعبور.الرسم كطقس تأمّليينطلق نصّ العامري من عنوانٍ يبدو تكثيفًا للحظة استغراق وجدانية: “ابتعدي أيتها العين كي يرانا القلب”؛ كأنّ الفنان يستبعد الحاسّة ليُحضِر البصيرة، ويخلع عن الرؤية ستارها كي تمتدّ نحو نور أبعد من الوصف. الرسم طقس تأمّلي، لقاء بين الفكرة وهي تتجسّد، وبين اليد التي تتحرر مع إيقاع الروح. يكتب العامري، الشاعر والناقد أيضًا، كمن يسرد سيرة التجلّي: فراشة تهجر كثافة الأرض نحو خفّة النور، حيث يتحوّل السطح إلى “قميص” تلبسه اللوحة في لحظة صفاء خالصة لاستقبال أرواح جديدة. بهذه اللغة، يخلع العامري على الفعل الفني بُعدَه العرفاني؛ فالألوان ليست درجات بصرية بل مقامات للعروج، والفرشاة ليست مجرد أداة، بل عصا سائرٍ على دروب طريق معرفيّ يتأرجح بين اللذة والقسوة، بين التيه والكشف.يمدّ العامري التجريد من حدوده البصرية إلى حدوده الإيقاعية والسمعية، فـ “اللون صوت خافت لا تسمعه إلا الآذان الصافية والمُصغية لبئر الذات العظمى”. هكذا تتحوّل اللوحة إلى مجالٍ للإنصات ــ موسيقى تُسمع بالقلب. يكتب العامريّ وكأنه يُعيد الاعتبار للتكوين البصري بوصفه حضورًا موسيقيًا؛ الأزرق باب للأبد، والترابي ذاكرة الأرض، وحركة الفرشاة رقصة على خفّة الماء. في هذا المزيج، لا يفصل الفنان بين التجربة الجمالية وطبقات الطفولة والنهر والظلّ والمرآة؛ فكلّها تتسرّب في اللوحة كأنها “صناديق ضوء” تغسل الروح. التجريد عنده ليس اقتصادًا بصريًا بل إطلاقٌ للمرئي، تحريره من ثقل التشخيص، كي يخلّص الرائي من عادة النظر، وليعيده إلى موقف بدئي يرى فيه اللون وهو يلد ذاته من جديد، كالماء حين يخلع عن المرآة صورةً كي يمنحها أخرى.في ثنايا هذا النص يتأكد أن العامري لا يمارس الرسم بل يمارس المعرفة عبر الرسم؛ التجريد هنا ليس “أسلوبًا” بل انقلاب معرفي على مركزية التمثيل، وسعيٌ لخلق فضاء تستعيد فيه المادة حقّها في التحوّل. يقول الفنان إنه يخلق مشكلة في اللوحة ثم يبحث عن حلّها “كفعل مناكف بين التنميط والدهشة”؛ وكأنه يعلن أن جوهر الفعل الفني هو الصراع: بين الطين والنور، بين الخطّ ومساحته، بين النقطة وغيابها، بين الذاكرة والظهور، وبين الرؤية والحجاب. اللوحة عنده ليست مجرد سطح لوني بل زمنٌ لا يتوقّف، سؤال يتجدّد، وطاقة تعيد ترتيب العالم وفق إيقاعها الداخلي. لذلك تتشابك الخطوط، وتتكسّر المساحات، وتتحول العلامات إلى أمكنة للمعنى أكثر منها أشكالًا. كل نقطة عنده “تنبيه للغائب”، وكل خطّ “جسر بين مساحتين”، وكل لون “قيامة صغيرة”. هكذا يغدو نصّه إعلانًا لاتحاده العميق بالكون؛ فالفنان يسكن “تحت جلد اللون”، يطلّ بعينه الثالثة، لا ليرى اللوحة، بل ليرى ذاته وهي تتشكّل من جديد في فضاء التجريد.من أعمال العامري “التفكير بالعين”في نصّه المعنون بـ “التفكير بالعين”، ينقلنا الناقد والفنان المغربي إبراهيم الحيسن إلى قلب تجربة العامري، حيث العين لا ترى فحسب بل تفكر وتستحضر الذكريات والدهشة. اللوحة جغرافيا تتحرك فيها الرؤية وتتسع، تمتد بين الألوان، تتدفق وتُصبغ على إيقاع الجسد والحركة، وكأنها موسيقى صامتة تُصاغ من ذاكرة الروح. هنا يصبح اللون لغة غير لفظية، وصبغاته إمضاءات حيّة تنبض على السطح، تشبه “الكائنات الطيفيّة المتحررة” التي تتنقّل بين الضوء والظل، بين حضور الأشياء وغيابها. العين، كما يقول الحيسن، تتنقّل في متاهة اللوحة وكأنها نافذة على الباطن والظاهر، حيث يتحول الفن إلى طقس رؤيةٍ واعتكافٍ بصريّ.في أعمال العامري، كما يصفها الحيسن، تتفجر الألوان وتتوزع بين الكتل الداكنة والشرائط اللونية، بين المساحات الشفيفة والمقاطع المساحية العريضة، لتخلق دينامية أبدية داخل اللوحة. إنها علاقة دائمة بين الضوء والظل، بين المادة التي تحمل اللون والحركة، وبين الاختلاف والانسجام الذي يمنح اللوحة نبضها الداخلي. تتقاطع في أعماله العلامات والآثار الصباغية كأنها “تواقيع سريعة التنفيذ” تحمل ذكريات المادة نفسها. التباين هنا ليس مجرد اختيار بصري بل استراتيجية وجودية للفعل الفني، حيث الانسجام يتولد من الصراع، والدهشة من التباين، كما في مقولة الفنان هنري ماتيس: “أنا لا أرسم الأشياء، أنا فقط أرسم الاختلاف بين الأشياء”. في هذا الفضاء، يصبح التجريد لغة معرفية، تحاور العين والفكر، وتفتح أمام المتلقّي نافذة على الجماليات المخفيّة في لحظة الفعل الإبداعي.”ربما تكمن قيمة الكتيّب في أنّه لا يعرّف فنّ العامري فقط، بل يعيد تعريف فعل النظر ذاته. إنه يجعل المتلقّي يعيد التفكير بعلاقته باللون، بالحركة، بالذاكرة، وبالهشاشة التي ينشأ منها كل معنى”يؤكد الحيسن على أن العامري فنان رحّال، ينتقل بالألوان والتراكيب بين السطح والعمق، بين المعنى والرمز، كأنها سحب عابرة أو أطياف مجنّحة في الأعالي. كل لوحة تصبح وطنًا لحياة الأثر، حيث تنبثق المخلوقات الطيفية من المادة لتسكن الفراغ، وتعيد تشكيل ذاكرتنا البصرية. إنها دعوة للتفاعل مع الحياة، مع اللحظة، مع كل التفاصيل الصغيرة والهامشية التي تحمل حيوية الأشياء وطقوسها الداخلية. العامري هنا لا يخلق فقط أعمالًا بصرية، بل يمارس فعلًا وجوديًا، يجعل من اللوحة جسدًا حيًّا، يُرى بعين ثالثة تبصر ما وراء الشكل، وتستشعر الرؤية في الباطن والظاهر، فتتحول التجربة الفنية إلى حوار مستمر بين الذات والكون، بين الفنان والمتلقّي، بين المادة والروح.اللوحة كساحة توتّر جماليّفي اللوحة الأولى في الكتيّب، يبدو سطح العمل كصفحة خرجت من ذاكرةٍ تتحلّل أمام الضوء؛ تتشابك فيه بقع الماء مع طبقات التراب، وتتحرك الخطوط كما لو أنها آثار مساراتٍ قُطعت ولم تكتمل. ينهض الأصفر من أعلى اللوحة كوميض ذكرى دافئة، بينما يتجمّع الأزرق في الأسفل كظلّ ماءٍ قديم، حاملًا معه وزن الغياب. تتوزّع النقاط والتخطيطات الدقيقة مثل خرائط لحديث داخلي، حديثٍ لم يُقل كلّه، لكنه ترك بصماته على الورق. هنا، لا يتقدّم الشكل باعتباره موضوعًا، بل كحالة توتر بين ما يظهر وما ينفلت؛ بين ضربة فرشاة تبحث عن معنى، وبقعة لونية تتركه معلّقًا. تشبه اللوحة العبورَ بين شيء ينكشف وشيء يتوارى، وكأن الفنان يمسك بالعالم من حافّته ــ تلك الحافّة التي يصير فيها اللونُ ذاكرة، والسطحُ مكانًا يتّسع للتأمّل.في لوحة عرْضية (ص 20)، يتقدّم الأزرق بوصفه نَفَسًا عميقًا يفتح فجوة في الصمت، وكأنه ماءٌ يتذكّر ظلاله القديمة. تتجاور الكتل اللونية في المنتصف مثل جزرٍ تتشكّل من حركة خفيّة، بينما يتراجع الأبيض إلى الأطراف كضوء لم يكتمل نزوله بعد. البني الداكن الذي يحيط بالمشهد يُضفي ثِقَلًا أشبه بجدارٍ داخلي، وكأننا أمام عتمة تُمهِّد لبروز شيء أكثر شفافية. في قلب هذا التكوين، تتوهّج اللمسات الصغيرة الحمراء والبرتقالية كنبضٍ يعلن أن الحياة ما زالت تتحرك تحت السطح. اللوحة بأكملها تبدو كمسارٍ بين وعييْن: وعيٍ يريد أن يستقرّ في الوضوح، وآخر ينسحب إلى الداخل، تاركًا وراءه أثر مرورٍ لا يُمسَك ولا يُنسى.في عمل آخر (ص 27)، يتصاعد الأصفر مثل شمسٍ داخلية تبحث عن منفذ في الجدار الداكن، بينما يمتد الأزرق السماوي في الجهة المقابلة كبحرٍ يحاول أن يهدّئ اضطراب المشهد. تتقدم البقع السوداء والضربات المبعثرة كآثار معركة صامتة بين الضوء والظل، وكأن اللونين يتناوبان على الكشف والإخفاء، على البوح والكتم. تتكاثف الخطوط الدقيقة واللطخات العشوائية حول المركز فتبدو كنبضات فكرٍ يتكوّن في لحظة ارتباك عميقة، لحظة لا تعرف شكلها بعد لكنها تُشيّد فضاءها ببطء. في الأسفل، ينساب البياض كأرضٍ تُعاد إليها الأشياء لتتطهّر من ضجيجها. هكذا تغدو اللوحة ساحة توتر جمالي؛ مساحة يندمج فيها الخراب بالولادة، ويتحوّل اللون إلى أثرٍ حيّ لشيء يتشكل أمام العين ثم يفلت منها فورًا. من أعمال العامريالتجريد كذاكرة تعاد صياغتهاومن منظور عام للأعمال التي يضمّها الكتيّب، يمكن القول إن الفنان يبني عالمه التشكيلي انطلاقًا من يقينٍ بأن اللون ليس مجرد عنصر بصري، بل كائن حيّ يتوسع، يتقلص، ويُغيّر مسار المعنى مع كل حركة فرشاة. الأزرق عنده ليس سماويًا فحسب، بل فضاءً داخليًا، بينما الأصفر يشتعل كنبضة حياة وسط الكتل المعتمة. ألوانه تعمل كحوار بين الضوء والظل، بين ما يُقال وما يُخفى، فتتبدّى اللوحات كأنها نبضات متتالية في قلب واحد، يتحرك بإيقاع هادئ لكنه عميق.لا يتعامل الفنان مع التجريد كمساحة هندسية باردة، بل كذاكرة تُعاد كتابتها باستمرار. الخطوط المتشابكة، البقع العفوية، المساحات التي تُمسَح ثم تعود للظهور، كلها توحي بعملية مستمرة من التذكّر والنسيان، وكأن اللوحة تُسجّل رحلة وعي لا يهدأ. تتشابك الرموز والإشارات البصرية دون أن تتخذ شكلًا مباشرًا، لكنها تُشكّل شبكة من المعاني المحتملة، تفتح المجال أمام الرائي ليبحث عن قصةٍ غير مكتملة، أو عن أثر حدثٍ لم يُروَ بالكامل.يسمح أسلوب الفنان للفوضى بأن تتكلم، لكنه لا يتركها بدون توجيه. اللمسات العفوية، رشّات الألوان، والطبقات المزدحمة، تبدو لأول وهلة متحررة تمامًا، لكن التكوين العام يحمل بنية دقيقة تُبقي اللوحة في منطقة مشدودة بين الانفعال والتنظيم. هذا التوازن يمنح الأعمال قوتها: فهي ليست صرخة، وليست بناءً هندسيًا صارمًا، بل حالة يتجاور فيها الوعي واللاوعي، العاطفة والمهارة، وكأن الفنان يكتب موسيقى بصرية تتأرجح بين العصف والطمأنينة.يرسم محمد العامري لأن العالم لا يكشف نفسه دفعة واحدة، ولأن الحقيقة لا تظهر إلا حين تتشقّق الطبقات ويعبر الضوء من بين الشقوق. أعماله ليست محاولة لترتيب الفوضى، بل للإنصات إلى ما تقوله. يضع اللون على السطح كما لو أنه يحرّر ذاكرة أسيرة، فتنبض المساحات بالأزرق والأصفر والتراب، وتتحول اللوحة إلى زمنٍ آخر، زمن يتسع لكل ما لم يُقل.التجريد بالنسبة للعامري ليس هروبًا من الشكل، بل عودة إلى جوهره الأول قبل أن يستقر في هيئة مألوفة. هو مساحة للبحث في ما يقع بين الحافّة والفراغ، بين الأثر والاختفاء، بين العلامة التي تُكتب ثم تُمحى. لذلك تظهر خطوطٌ متشابكة، بقعٌ عفوية، ونبضات لونية تشبه خرائط لرحلات داخلية. هو لا يتعمّد بناء الحكاية، لكنه يتركها تتشكّل من تلقاء نفسها، كما ينمو النبات من أثر ضوء خفيف.ما يشغله هو العلاقة بين السيطرة والانفلات، بين القرار والحدس. هناك لحظة يكون فيها مُمسكًا بكل شيء، ولحظة أخرى تقوده فيها اللوحة نفسها إلى مكان غير متوقع. في تلك المسافة بين اللحظتين يولد العمل. إنه البحث عن توازن لا يكتمل ولا ينهار، وكأنه المشي فوق خيطٍ رفيع بين عقلٍ يخطط وروحٍ تريد أن تنفلت.الفن كتجربة وجوديةيمدّ العامري للقارئ جسرًا نحو رؤية ثالثة، رؤية تتجاوز المحسوس لتلامس ما يتخفّى تحت طبقات اللون والتراب والضوء. ليست اللوحة عنده حدثًا بصريًا فحسب، بل تجربة وجودية تستعيد ما نسيه الجسد وما حاول الوعي حَجْبه. لذلك تبدو أعماله وكأنها تشرّع بابًا بين عالمين: عالم يتهشّم باستمرار تحت ضغط الواقع، وعالم يتجدّد في الداخل بما يحتفظ به من شذرات الطفولة والعبور والماء والظلال.ربما تكمن قيمة الكتيّب في أنّه لا يعرّف فنّ العامري فقط، بل يعيد تعريف فعل النظر ذاته. إنه يجعل المتلقّي يعيد التفكير بعلاقته باللون، بالحركة، بالذاكرة، وبالهشاشة التي ينشأ منها كل معنى. وفي هذا الانفتاح على احتمالات الرؤية، يثبت العامري أن التجريد ليس انقطاعًا عن العالم، بل عودته إلى أعمق طبقاته؛ حيث يتحوّل الغياب إلى حضور، وتتحوّل النقطة إلى مسار، ويتحوّل السطح إلى كينونة تنبض بالحياة. وهكذا يغدو “عين ثالثة” وثيقة ضوء: أثرٌ يذكّر بأن الفنّ ــ حين يُمارَس بصدقٍ معرفي وجرأة روحية ــ يصبح مسارًا جماليًا عميقًا لرؤية العالم، ولرؤية الذات وهي تتشكّل في كل مرة من جديد.# ضفة ثالثة #مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم