بقلم السيد عيد
في زحمة الحياة، وبين وجوهٍ تمرّ بنا كل يوم كأنها محطات قطار لا تتوقف طويلًا، يظلّ هناك شعور خفيّ لا يُرى بالعين، لكنه يُحَسّ بالقلب… هو محبة الناس.
المحبة الحقيقية ليست كلامًا يُقال في المجالس، ولا ابتساماتٍ عابرة تُلقى على الطرقات، بل هي أثرٌ طيب يتركه الإنسان في قلوب الآخرين دون أن يشعر. هي كلمة طيبة، وموقف صادق، وقلب لا يعرف الحقد ولا يحفظ الضغائن.
كم من إنسانٍ بسيط لا يملك مالًا ولا جاهًا، لكنه يملك قلوب الناس! تراه يمشي بينهم كأنه واحد من نور الودّ، لأن قلبه صافٍ، ولسانه طيب، ويده لا تمتد إلا بالخير.
وأجمل صور المحبة… الدعاء بظهر الغيب.
أن ترفع يديك إلى السماء وتذكر إنسانًا لا يعلم أنك تدعو له. لا ينتظر منك كلمة شكر، ولا يعلم أصلاً أنك فكّرت فيه. تدعو له لأن قلبك امتلأ محبةً له، أو لأنك تمنيت له الخير كما تتمناه لنفسك.
في تلك اللحظة، لا يكون بينك وبين الله إلا صدق النية.
يقول أحد الحكماء: “أصدق الدعاء ما خرج من قلبٍ لا ينتظر مقابلاً.”
والعجيب أن الدعاء بظهر الغيب لا يعود على صاحبه بالخير فقط، بل يزرع في القلب طمأنينة عجيبة. كأن النفس تقول لك: ما دمت تتمنى الخير للناس، فسيأتيك الخير من حيث لا تحتسب.
كم من دعوةٍ خفية كانت سببًا في تفريج كرب، أو تيسير أمر، أو شفاء مريض! وربما لا يعرف صاحبها من الذي دعا له… لكن الله يعلم.
لهذا، كان السلف يقولون:
“إن أحببت إنسانًا… فادعُ له.”
ليس شرطًا أن تخبره بمحبتك دائمًا، فبعض المحبة يكفيها أن تسكن القلب، وبعض الدعاء يكفيه أن يسمعه الله.
فلنجرب أن نخفف عن قلوبنا قليلًا…
أن نغفر، وأن نحب، وأن ندعو للناس بالخير.
ربما لا يذكرنا الناس بعد سنوات، لكن سيبقى في ميزاننا شيءٌ جميل:
دعوة خرجت من قلبٍ صادق… لإنسانٍ لم يكن يعلم أننا دعونا له.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


