💥 مراجعة | «الظهور الأول».. جوليان مور تسرق المشهد آيزنبرغ يحول المسرح إلى جنون ساخر في «تورونتو»تورونتو ـ خاص «سينماتوغراف»ليس سهلًا أن تعرف، خلال الدقائق الأولى من «الظهور الأول» (The Debut)، أين ينتهي الواقع ويبدأ المسرح. جيسي آيزنبرغ، في فيلمه الثالث ككاتب ومخرج، يتعمد منذ المشهد الأول كسر قواعد الواقعية، ويدخل المشاهد إلى عالم يبدو كأنه حلم مسرحي مضطرب، تتجاور فيه الأغنية مع السخرية، والطموح مع الهوس، والرغبة في الخلاص مع خطر فقدان السيطرة.الفيلم، المعروض ضمن مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، يتخذ من مسرح المجتمع المحلي مسرحًا لحكاية امرأة تبدو في ظاهرها عادية إلى حد الاختفاء، قبل أن تكتشف فجأة أن بداخلها شخصية أخرى تنتظر فرصة للخروج.إنها «منى» التي تؤديها جوليان مور، ربة منزل من نيوجيرسي، هادئة وخجولة ومطيعة، تكاد تكون غير مرئية داخل بيتها. زوج وأبناء لا يمنحونها كثيرًا من الاهتمام، وحياة يومية استقرت في منطقة آمنة لكنها بلا شغف. لذلك، عندما تتقدم لاختبار أداء في مسرحية غنائية محلية، لا يبدو الأمر مجرد محاولة للحصول على دور صغير، بل بداية انقلاب كامل في حياتها.** من الهامش إلى خشبة المسرحيضع آيزنبرغ من البداية قواعد لعبته العبثية. تتقدم منى لاختبار أداء مسرحية «الجيران الفضوليون» (Nosy Neighbors)، لكنها تخسر الدور أمام «سيرينا شيري»، نجمة المسرح المحلي التي تجسدها برناديت بيترز، في ظهور خاطف وساخر يعلن منذ اللحظة الأولى أن هذا ليس فيلمًا يبحث عن الواقعية التقليدية.لكن سيرينا تنسحب لاحقًا، لتجد منى نفسها في قلب العرض، مؤدية شخصية «الآنسة دانييل»، حارسة مبنى سكني ذات حضور صارم، وهي شخصية لا تشبهها بأي شكل.هنا يدخل بول جياماتي بوصفه «جيري»، مخرج العرض المتعالي والمهووس بالتفاصيل. لا يرى في منى ممثلة جاهزة، بل مادة خامًا تحتاج إلى التكسير وإعادة البناء. يدفعها إلى أقصى حدودها، ويكرر الضغط عليها حتى في أبسط جملة حوارية، في محاولة لانتزاع شيء لا تعرف منى أصلًا أنه موجود بداخلها.وتصل العلاقة بين الاثنين إلى ذروتها في مشهد تدريب ثنائي شديد التوتر، يتحول تدريجيًا إلى مواجهة نفسية تكشف موهبة منى المدفونة. في تلك اللحظة، لا يكتشف جيري ممثلة جديدة فحسب، بل تكتشف منى نفسها للمرة الأولى.هذه واحدة من أقوى لحظات الفيلم، وقد أثارت مشهدًا مماثلًا من الحماس لدى جمهور عرضه العالمي في تيلورايد، قبل وصوله إلى تورونتو.** جوليان مور أمام نسخة جديدةلكن «الظهور الأول» يظل، في النهاية، فيلم جوليان مور.كتب آيزنبرغ شخصية منى خصيصًا لها، ويبدو واضحًا أنه كان يريد دفع الممثلة إلى منطقة لم نرها منها بهذا الانفلات من قبل. فهي لا تلعب امرأة تكتشف التمثيل فحسب، بل امرأة تكتشف ذاتها عبر التمثيل، ثم تبدأ تدريجيًا في الخلط بين الشخصية التي تؤديها والمرأة التي تريد أن تكونها.تبدأ منى مترددة، بصوت منخفض وحضور باهت، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى امرأة أكثر جرأة، وأكثر غرابة، وأقل استعدادًا للعودة إلى حياتها السابقة.تصبغ شعرها بالأسود، تغير مظهرها، تتعمق في الشخصية، وتتعامل مع «الآنسة دانييل» كما لو أنها مشروع حياة. وفي لحظة ما، يصبح المسرح أكثر صدقًا بالنسبة إليها من المنزل نفسه.وهنا يلتقي الفيلم مع واحد من أكثر موضوعاته إثارة، هل يستطيع الفن أن ينقذ الإنسان، أم أنه قادر أيضًا على ابتلاعه؟.مور لا تقدم إجابة مباشرة، وإنما تجعل السؤال حيًا داخل أدائها. وهي لا تخشى أن تجعل منى مثيرة للشفقة أو السخرية أو الإزعاج، بل تسمح لها بأن تكون كل ذلك في الوقت نفسه. وتحديدًا هذه القدرة على الانتقال بين الهشاشة والكوميديا والانفجار النفسي هي التي جعلت عددًا من النقاد يعتبرون أداءها من أبرز عروض العام حتى الآن.** آيزنبرغ يختبر حدود العبثبعد «ألم حقيقي» (A Real Pain)، الذي اتسم بواقعية عاطفية أكثر وضوحًا، يذهب آيزنبرغ هنا في الاتجاه المعاكس تقريبًا. فهو لا يبني عالمًا يمكن تصديقه بالكامل، وإنما عالمًا له منطقه الخاص، حيث تبدو المبالغة جزءًا من الحقيقة.المسرحية داخل الفيلم نفسها ساخرة، الأغاني التي كتبها آيزنبرغ تتلاعب بكليشيهات المسرح الغنائي، والشخصيات تتعامل مع هذا العالم الصغير بجدية تكاد تكون أكبر من حجمه. ومع ذلك، فإن الفيلم لا يسخر من شغف المسرحيين بقدر ما يحتفي به أيضًا. خلف النكات يوجد احترام واضح لأولئك الذين يمنحون كل طاقتهم لفن قد لا يشاهده سوى عدد محدود من الناس.ويمنح هذا التناقض الفيلم جزءًا كبيرًا من جاذبيته.. آيزنبرغ يسخر من المسرح المحلي، لكنه في الوقت نفسه يحبه، يسخر من الممثل الذي يغرق في الشخصية، لكنه يتفهم الحاجة إلى أن يجد الإنسان معنى في شيء يتجاوز حياته اليومية.** بين المتعة والعمقهذه المسافة هي أيضًا مصدر قوة الفيلم ونقطة ضعفه في آن واحد.فبعض التحولات التي تمر بها منى تبدو مقنعة داخل عالم الفيلم العبثي، لكنها تفقد شيئًا من قوتها عندما يحاول العمل تحميلها معنى عاطفيًا أكبر. وهناك لحظات يبدو فيها الفيلم وكأنه يريد أن يكون أكثر تأثيرًا مما تسمح به نبرته الساخرة.لكن حتى عندما يتعثر الفيلم في بناء أثره العاطفي، فإنه يظل قادرًا على المحافظة على انتباه المشاهد بفضل إيقاعه البصري وأداء مور وجياماتي، إلى جانب عالم مسرحي مصمم بعناية يمنح الحكاية مظهرًا مصقولًا يتناقض مع الفوضى النفسية التي تجتاح بطلتها.** هل تبدأ رحلة الأوسكار؟من المبكر بالطبع حسم سباق أوسكار 2027، لكن من الصعب تجاهل مور بعد هذا الأداء. فالفيلم يمنحها مساحة نادرة تجمع بين الكوميديا والموسيقى والانهيار النفسي، وهي منطقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الجرأة والسيطرة.وتتزايد بالفعل أحاديث موسم الجوائز حولها، بينما يمكن أن يكون «الظهور الأول» بوابة قوية لترشيحها، خصوصًا أن الفيلم يضع أداءها في مركز التجربة بالكامل.لكن قيمة الفيلم لا تتوقف عند احتمال جائزة جديدة لمور. فآيزنبرغ يثبت أنه لا يريد تكرار نجاح «ألم حقيقي»، بل يبحث عن لغة سينمائية مختلفة، أكثر حرية وعبثًا وأقل اهتمامًا بإرضاء توقعات المشاهد.قد لا يكون «الظهور الأول» أكثر أفلام آيزنبرغ إحكامًا، ولا أكثرها تأثيرًا عاطفيًا، لكنه بالتأكيد أكثرها جرأة في اللعب بالنبرة والشكل. أما جوليان مور، فهي تمنح هذا الجنون مركزه وثقله، وتحول منى من ربة منزل تكاد تختفي داخل حياتها إلى امرأة تحتل خشبة المسرح بكل ما فيها من خوف ورغبة وفوضى.وهنا تكمن المفارقة الأجمل في الفيلم.. منى تدخل المسرح بحثًا عن دور، فتجد نفسها. وجوليان مور تدخل الدور، فتمنح الفيلم سببه الأقوى للبقاء. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


