حين يتحوّل فيلمٌ عن الفدائيين إلى مأساة حقيقية: قصة فيلم “كلّنا فدائيون”
أحيانًا يتفوّق الواقع على الخيال قسوةً وغرابةً.
ومن بين القصص المنسيّة في تاريخ السينما العربية، تبقى مأساة فيلم “كلّنا فدائيون” واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا وإثارة للذهول؛ إذ لعلّها المرة الوحيدة في تاريخ السينما التي استشهد فيها طاقم عملٍ كامل تقريبًا أثناء التصوير، بمن فيهم المنتج والمخرج وعدد من الممثلين والفنيين.
في أواخر ستينيات القرن الماضي، وبعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني، وتحولت بيروت إلى مركز سياسي وثقافي داعم للكفاح المسلح، خاصة في ظل الحضور الفلسطيني المسلح، ووجود تيارات قومية ويسارية لبنانية متحمسة للقضية الفلسطينية.
انعكست هذه الحالة على الفن والسينما، فظهرت أفلام تمجّد المقاومة الفلسطينية، مثل “الفلسطيني الثائر”، و“الطريق إلى القدس”، و“أجراس العودة”… وغيرها من الأعمال التي طواها النسيان مع الزمن، ولم تعد الفضائيات تعرضها اليوم.
ومن بين تلك الأعمال، جاء فيلم “كلّنا فدائيون” عام 1968، حاملاً قصة مأساوية تستحق أن تُروى.
في ليلة السبت/الأحد، 5 أكتوبر 1968، كان فريق العمل يصوّر المشهد الأخير داخل استديو “البورغاتوار” في منطقة الحازمية ببيروت.
وكان المشهد يتضمّن عملية تفجير ينفذها فدائي فلسطيني انتقامًا لرفاقه الذين قتلتهم قوات الاحتلال، على أن يُجسّد المكان المستهدف “بار استير” في تل أبيب.
أعطى المخرج الإشارة لتفجير المفرقعات “التمثيلية” وبدء التصوير…
لكنّ ما حدث لم يكن تمثيلًا.
وقع انفجارٌ حقيقيّ مروّع دمّر موقع التصوير بالكامل، وتبيّن لاحقًا أن المتفجرات الوهمية قد استُبدلت بمواد حقيقية شديدة الانفجار.
أسفر الحادث عن استشهاد نحو 20 شخصًا، من بينهم:
المنتج الكبير أدمون نحاس، أحد مؤسسي استديو نحاس الشهير في مصر.
المخرج كاري كربيتيان.
الممثل الشاب سامي عطار.
الممثلة الشابة منى سليم، المعروفة باسمها الفني “تغريد”.
المصوّر سركيس غوغونيان.
صاحب الاستديو جورج غصن.
وابنة أخته كوليت ناصيف عبد الساتر (16 عامًا).
باشر الأمن العام اللبناني تحقيقاته، وسط سيلٍ من التسريبات الصحفية.
وبعض الصحف آنذاك تحدثت عن احتمال تورّط شخصيات إيطالية كانت مساهمة في إنتاج الفيلم، خصوصًا بعد معلومات تفيد بأنها كانت تنوي بيع نسخة منه إلى إسرائيل.
كما كشفت التسريبات أن انفجارًا سابقًا كان قد وقع خلال التصوير، ونجا منه الممثلون بأعجوبة، ما زاد من الشبهات حول وجود عمل تخريبي متعمّد.
لكن رغم شهرين من التحقيق، لم تُكشف الحقيقة كاملة، وأُغلق الملف، لينضمّ إلى عشرات الملفات الغامضة في تاريخ لبنان.
وفي عددها رقم 664 الصادر يوم 14 أكتوبر 1968، نقلت مجلة “الشبكة” اللبنانية كلمات مؤثرة للممثلة منى سليم، التي كانت تصارع الموت في مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، بعد أن تحوّل جسدها إلى كتلة من الحروق والجروح.
قالت بمرارة:
“هل أصبحنا كلّنا فدائيين؟”
أما المخرج كاري كربيتيان، الأرمني الأصل، العراقي المولد، المولود في بغداد عام 1935، والذي درس الإخراج في الولايات المتحدة وعمل في تلفزيون لبنان منذ تأسيسه عام 1959، فقد كشفت التحقيقات أنه كان قادرًا على النجاة.
لكنه رفض أن يغادر قبل إنقاذ زملائه المصابين.
وظلّ يساعدهم حتى اختنق داخل الحريق… ومات معهم.
ومن المفارقات أن أحد أبطال الفيلم، الممثل المعروف غسان مطر، نجا لأنه لم يكن موجودًا في موقع التصوير تلك الليلة.
ورغم كل شيء…
ورغم الموت…
ورغم ما أُثير من شبهات عن تورط جهات مرتبطة بـالموساد الإسرائيلي…
عُرض الفيلم لاحقًا.
وكأنّ الرسالة التي أرادها صنّاعه خرجت من تحت الركام.
رحم الله شهداء هذا العمل…
شهداء فيلمٍ بدأ تمثيلًا… وانتهى حقيقة.


