ليلى بو شمامة من المغرب . تكتب عن تجربتها في مهرجان مالمو.

تغطيات

حين يتكلم العود بلغة الشمال: مالمو تكتب نشيدها العربي
الأستاذة ليلى بو شمامة – المغرب

في مدينةٍ ينساب فيها الضوء على مهل، وتتشكل فيها الذاكرة من بردٍ شفيف ونغمٍ دافئ، يولد مهرجان مالمو الدولي للعود والأغنية العربية ككائنٍ حيٍّ يتنفس الموسيقى ويُصغي إلى نبض الإنسان. هناك، في قلب مالمو، تتقدّم الأوتار لتقول ما تعجز عنه اللغات، وتنسج خيوطًا غير مرئية تصل بين أرواحٍ جاءت من جهات الأرض كلّها، تحمل في أعماقها حنينًا مشتركًا إلى الجمال.
المهرجان ليس حدثًا عابرًا يمرّ في رزنامة الفن، بل تجربة تُعاش، وذاكرة تُكتب بنبض العود وهو يلامس وجدان الحاضرين. كل دورةٍ منه تبدو كأنها بداية جديدة، كأن الموسيقى تولد في تلك اللحظة الأولى، وتعيد ترتيب العالم على إيقاعٍ أكثر إنصاتًا للروح. هنا، تغدو الأنغام لغةً حميمة، يتعارف بها الغرباء دون تعريف، ويقترب بها البعيد دون مسافة.
ومن بين هذه الحيوية، يبرز اسم يوسف البدر، لا بوصفه منظّمًا فحسب، بل بوصفه روحًا سكنت هذا المشروع وأعادت تشكيله على صورتها الشغوفة بالفن. بخبرته الأكاديمية في جامعة لوند، وبحدسه الإبداعي، رسم للمهرجان ملامح دقيقة، جعلت من العود كائنًا حواريًا، يدخل في حديثٍ رقيق مع آلات العالم، فيلتقي المختلفون داخل نغمة واحدة تتسع للجميع.
في فضاءات المهرجان، لا تقف الموسيقى عند حدود العرض، بل تمتدّ لتصير معرفة تُتداول، وخبرة تُنقل، وشغفًا يُورث. ورشٌ تنبض بالحياة، تتقاطع فيها أصابع العازفين مع دهشة المتعلمين، في لحظةٍ تشبه اكتشاف اللغة الأولى. المقامات العربية تُفتح كحدائق سرية، يدخلها القادمون من ثقافات أخرى بدهشةٍ صافية، فيتعلمون كيف يمكن للنغمة أن تحمل تاريخًا كاملًا من الإحساس.
ويمضي المهرجان في نسج علاقاته، كمن يكتب صداقات طويلة الأمد بين الثقافات. فنانون يأتون من جهات متعددة، يحملون معهم أصوات أوطانهم، ويتركون في مالمو شيئًا من ذاكرتهم. من هذا التلاقي تولد أعمال مشتركة، تُشبه جسورًا موسيقية لا تُرى، لكنها تُحسّ، وتبقى. أعمالٌ تمتزج فيها حرارة الشرق بدقّة الغرب، فتخرج بنبرةٍ جديدة، لها ملامح العالم، وقلبٌ واحد.
في هذا السياق، يغدو المهرجان أيضًا مساحةً للهوية وهي تتجدد في فضاءٍ مفتوح. حضورٌ عربيٌّ يكتب نفسه بثقة، ويقدّم صورته بلغة الفن، فيصير العود سفيرًا صامتًا، يحمل قضيته في صوته، ويترك أثره في كل من يصغي إليه.

#مجلة النخبة الرائدة#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم