… حين تفضح الجمجمة سرّ الإجرام: نظرية لومبروزو في «المجرم بالفطرة» والتمييز بين المجرم والمجنون
عام 1871، لاحظ الطبيب الإيطالي تشيزاري لومبروزو أثناء تشريح جمجمة لصٍّ سيء السمعة وجود «حفرة قذالية وسطى» غير طبيعية، شبَّهها بجماجم الأعراق الدنيا والحيوانات البدائية. من هنا ولدت نظريته التي جعلت تقاسيم الوجه دليلاً على «الإجرام بالفطرة»، وأسسته كأبٍ لعلم الإجرام الحديث.
لومبروزو (1835-1909)، الطبيب النفسي الذي خدم في السجون والجيش، لاحظ أن المشاكسين عدائي السلوك لديهم سمات جسدية مشتركة. دفعته ملاحظاته إلى فحص آلاف الجماجم والمجرمين، فأصدر كتابه «الرجل المجرم» (1876).
قلب نظريته مفهوم «الإرتداد التطوري»: المجرم بالفطرة ليس شخصاً ارتكب جريمة، بل كائن بدائي حي في العصر الحديث، يحمل صفات أسلاف متوحشين، و«برمجته» الوراثية تدفع حتماً إلى الإجرام.
سمات المجرم بالفطرة (الوصمات): ضيق الجبهة، بروز الوجنتين والفك السفلي، أنف معقوف، أذنان كبيرتان، طول الذراعين، و«بقايا ذيل» في العصعص. كما يتصف بالوشم، تحمل الألم، واستعمال اليد اليسرى.
تصنيف المجرمين إلى خمسة أنواع:
- المجرم بالفطرة (40%): مولود بالوصمات، قدره البيولوجي.
- المجرم المجنون (مفصل أدناه).
- المجرم السيكوباتي: استعداد كامن يظهر بظروف محفزة.
- المجرم بالعاطفة: دوافع طارئة كالغيرة.
- المجرم السياسي: بدوافع عقائدية.
المرأة المجرمة: رأى لومبروزو أن البديل الأنثوي للإجرام الذكوري هو البغاء، معتبراً المرأة «غير الطاهرة» بدلاً من المجرمة بالفطرة.
الفصل الحاسم بين المجرم بالفطرة والمجرم المجنون: هنا يكمن جوهر تمييز لومبروزو. فالمجرم بالفطرة يُولد مجرماً بسبب بنية إرتدادية موروثة، بينما المجرم المجنون إجرامه طارئ ومكتسب نتيجة مرض عقلي أو صرع أو إدمان يغير وظائف الدماغ. اعترف لومبروزو أن المجانين قد يحملون بعض الوصمات، لكنها ليست دليلاً على «الطبع» الفطري.
لماذا هذا التمييز؟ لأهمية عملية خطيرة: المجرم بالفطرة «لا يُصلح» ويستحق الإعدام أو السجن المؤبد. أما المجرم المجنون فهو «مريض» يستحق العلاج في المصحات العقلية.
نقد النظرية: لم تصمد أمام العلم الحديث. أثبت تلميذه غورنغ عدم وجود فروق جسدية ذات دلالة إحصائية بين المجرمين وغيرهم. لكن يظل فضل لومبروزو نقلاً لدراسة الجريمة من الفعل إلى الفاعل، ومن الفلسفة إلى التجريب العلمي …
من المفارقات نظرية لومبروزو كانت تُدرّس في كتاب قانون العقوبات السوري السنة الثالثة رغم فشل النظرية
الخلاصة: لومبروزو ترك إرثاً مزدوجاً: نظرية باطلة، لكنه منهج غيّر علم الإجرام للأبد. كان مخطئاً في استنتاجاته، محقاً في سؤاله: هل تحمل أجسادنا أسرار سلوكنا …
# مجلة إيليت فوتو آرت


