لماذا لا يمكننا تخيل صورة الخالق..؟

لماذا لا يستطيع الإنسان أن يتخيل خالقه؟لو افترضنا أن نملةً أرادت أن تتخيل خالقها، فمن أين ستبدأ؟ إنها لا تعرف إلا عالمها الصغير: حبيبات الرمل، وأوراق الشجر، ورائحة الطعام، وممرات المستعمرة. ولو حاولت أن تتصور من أوجدها، فلن تملك إلا أن تركب صورةً من الأشياء التي تعرفها. لكنها مهما فعلت، فلن تستطيع أن تبلغ حقيقة خالقها، لأن خالقها ليس جزءًا من عالمها، ولا يشبه شيئًا مما تدركه بحواسها.وهنا يقف الإنسان أمام السؤال نفسه.فالإنسان حين يتخيل أي شيء، فإنه يستعين بخبراته السابقة. يتخيل جبلًا أعلى، أو بحرًا أوسع، أو نورًا أشد، أو إنسانًا أعظم. إن خيالنا لا يخلق من العدم، بل يعيد تركيب صورٍ خزنتها الحواس في الذاكرة. ولذلك فإن كل ما نتخيله يبقى داخل حدود هذا الكون الذي نعيش فيه.أما الله سبحانه وتعالى، فهو خالق الكون كله، وخالق المكان والزمان والمادة والقوانين. لذلك لا يمكن أن يكون شيئًا من الأشياء التي خلقها، ولا جنسًا من أجناسها، ولا صورةً من صورها.ولهذا جاء البيان القرآني الحاسم:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.إن هذه الآية لا تنفي وجود الله، بل تنفي أن يكون مماثلًا لأي شيء يمكن للعقل البشري أن يتصوره. فكل صورةٍ يرسمها الخيال، وكل هيئةٍ يتخيلها العقل، هي مخلوقة في النهاية، والله سبحانه منزه عن أن يحيط به خيال أو أن تحده صورة.ولهذا قال بعض العلماء: “كل ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك.” أي إن كل تصور يصنعه الذهن يبقى قاصرًا عن الإحاطة بالخالق.إن عجز الإنسان عن تصور الله ليس نقصًا في وجود الله، بل هو دليل على محدودية الإنسان. فالوعاء الصغير لا يستطيع أن يحتوي البحر، والعين المجردة لا ترى كل ما في الكون، والعقل المحدود لا يحيط بذات الخالق غير المحدودة.ومع ذلك، لم يتركنا الله في حيرة، بل دلنا على معرفته من طريق آخر؛ ليس بتخيل ذاته، وإنما بالنظر في آياته وآثار صنعه. فإتقان الكون، ودقة قوانينه، وعظمة الحياة، وانسجام المخلوقات، كلها شواهد تقود العقل إلى معرفة الخالق، وإن لم تحط بحقيقة ذاته.إننا قد نعجز عن تصور ذات الله، لكننا نستطيع أن ندرك آثار حكمته، ورحمته، وقدرته، وعلمه في كل ذرة من هذا الكون.وهكذا، فإن أعظم ما يصل إليه العقل ليس أن يتخيل الله، بل أن يدرك أنه لا يمكن أن يحيط به خيال. وهذه ليست هزيمةً للعقل، بل هي قمة تواضعه أمام عظمة الخالق.فكما تعجز النملة عن تصور حقيقة من أوجدها، يعجز الإنسان عن الإحاطة بذات خالقه، مع الفارق العظيم بين المثال والواقع. لكن الإنسان يمتاز بأنه مُنح عقلًا يهتدي إلى الله من خلال آياته، ويؤمن به كما أخبر عن نفسه، لا كما يتخيله الخيال.وهنا يلتقي العقل مع الإيمان؛ فالعقل يدل على وجود الخالق، والوحي يعرّفنا به، أما حقيقة ذاته، فهي فوق إدراك العقول، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء.م . #ماهر_بقجه_جي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم