عندما رفض برنارد شو شراء نسخة من ” يوليسيس “
علي حسين
في شباط من عام 1922 اعلنت مكتبة ” شكسبير ورفاقة ” التي اسستها السيدة الامريكية ” سيليفا بيتش ” عام 1919 في باريس عن صدور طبعة كاملة من رواية جيمس جويس ” يوليسيس ” . كانت سيليفا قد قابلت جيمس جويس عام 1920 في احدى الحفلات الادبية وتصف لنا لحظة مشاهدتها للكاتب الايرلندي في كتابها ” شكسبير ورفاقه ” – ترجمة رياض حمادي ” قائلة :”كان متوسط الطول نحيفا منحنيا قليلا ، وبملاحظة يديه ستجدها هزيلتين للغاية يضع خاتمين في اصبعيه الوسطى والثانية ، من يده اليسرى ، مرصعين بحجرين ثقيلين ، وعيناه ذات اللون الازرق القاتم . كانتا في غاية الجمال . لكني لاحظت العين اليمنى لها مظهر غير طبيعي ، وان العدسة اليمنى لنظارته كانت اكبر سمكا من اليسرى . كان شعره كثيفا ، رملي اللون ، مموجا ، ومنسدلا من جبينه العالي المسطر فوق رأسه الطويل . يعطي جويس انطباعا بالرقة والشفافية . كانت بشرته فاتحة جميلة ، فيها قليل من النمش ، ومتوردة الى حد ما . انفه جميل الشكل ، وشفتاه رفيعتان ومحددتان بعناية . سحرني صوت جويس بنغماته الحلوة التي يلفظها كمغني تينور . نطقه واضح على نحو استثنائي ” .
كان السؤال الذي طرحته سليفيا بيتش عند لقائها الاول بجيميس جويس هو : ما هي اخبار يوليسيس ؟ .. قال لها انها تعاني مزيدا من القمع ، فالأخبار الواردة من نيويورك تنذر بالخطر . بعد ذلك سيرتبط جيمس جويس بمكتبة ” شكسبير ورفاقه ” ، يذهب اليها كل يوم ، وكان الهم الكبير بالنسبة اليه آنذاك هو مصير روايته ” يوليسيس .. كانت الرواية تخوض معارك في لندن ايضا حيث كانت المطابع الانكليزية متحفظة على اسم جويس .
ذات يوم ستقول سيلفيا بيتش لجويس :” هل تسمح لشكسبير ورفاقه ان تحظى بشرف نشر يوليسيس ؟ ..لم تتوقع ان يوافق كاتب كبير ان تنشر روايته دار نشر صغيرة ، لكنه سيعود اليها في اليوم التالي ليعلن موافقته . بعد ايام تنشر سليفيا بيتش اعلانا في احدى الصحف بان رواية ” يوليسيس ” ستصدر كاملة . ونص الاعلان على ان الطبعة محدودة بالف نسخة وستوقع من قبل الكاتب وان باب الحجز مفتوح على نسخ من الرواية ، ثم وضعت في الاعلان صورة صغيرة لجيمس جويس يبدو نحيلا وملتحيا ..لم تتوقع بيتش ان الاعلان سيحفز الناس على الاقبال لحجز نسخ من الرواية .. ففي الاسبوع الاول تراكمت الاستراكات .وترك لها عزرا باوند اشتراك بمبلغ محترم يحمل اسم الشاعر الشهير ويليام ييتس ، كما حجز ارنست همنغواي عدة نسخ سينقلها معه الى امريكا . وهناك نسخ حجزها سكوت فيتزجيرالد ولم يكن قد اصدر غاتسبي العظيم بعد – صدرت عام 1925 – ونسخة حجزها الناقد ارشيبالد ماكليش صاحب الكتاب الشهير ” الشعر والتجربة ” – نرجمته الى العربية سلمى الخضراء الجيوسي – . وذات يوم ستخبر جويس بانها سترسل الاعلان الى برنارد شو فهي واثقة من انه سيدعم الكتاب ويشترك بنسخ منه . بعثت الاعلان مع رسالة الى الكاتب الشهير ، وبعد فترة قصيرة تلقت رسالة من برناد شو يقول فيها :” انستي العزيزة .لقد قرأت مقتطفات من يوليسيس في هيئتها المسلسلة .إنها سجل مقزز لطور حضارة مثيرة للاشمئزاز ، لكنها سجل صادق ، وددت لو أن بامكاني وضع طوق حول دبلن ، وأن اجمع جميع الذكور فيها ممن تتراوح اعمارهم بين الخامسة عشر والثلاثين واجبرهم على قراءة كل ذلك الفحش والبذاءة والسخرية الكريهة لعلها تروق لك مثل الفن . فمن الارجح أنك شابة همجية تفتنها الحماسة والاثارة التي يثيرها الفن على نحو عاطفي ، لكن بالنسبة لي فكل هذا حقيقي على نحو بشع ، لقد مشيت في تلك الشوارع واعرف تلك المتاجر وشاركت في تلك المحادثات . وفررت منها الى انكلترا في سن العشرين ، وبعد اربعين عاما علمت من السيد جويس بان دبلن لا تزال على ما كانت عليه ، وان الشباب مازالوا يتصرفون بطريقة صبيانية وينغمسون في الخسة والنذالة تماما كما كانوا في عام 1870 . ومع ذلك ثمة عزاء في ان اجد اخيرا شخصا ما شعر بهذه المشكلة بعمق كاف ليواجه رعب كتابة كل شيء ويستخدم عبقريته الادبية ليُجبر الناس على مواجهتها . وبما ان النشرة تتضمن دعوة للشراء . ينبغي ان اضيف بانني سيد ايرلندي مسن ، فانت كنت تتصورين بأن اي ايرلندي ، ناهيك عن كبار السن ، سيدفع 150 فرنكا في مثل هذا الكتاب ، فانت تعرفين القليل عن ابناء بلدي ” .
وصلت نسختان من الرواية صبيحة الثاني من شباط عام 1922 الى مكتبة شكسبير ورفاقه ، لتسرع سيلفيا بيتش الى شقة جويس تسلمه النسخة رقم واحد . ها هي يوليسيس اخيرا بين يدي جيمس جويس بغلافها الازرق اليوناني فقد أصر جويس ان يكون لون الغلاف مثل لون بحر ايجه اليوناني ، وعلى الغلاف العنوان واسم المؤلف بحروف بيضاء وبعدد صفحات ” 732 ” .
#علي حسين#مجلة ايليت فوتو ارت.


