حين يسقط العرض: من عقدة الفانتازم إلى تفعيله — قراءة بومييه في ضوء رجل الجرذان عند لاكن ينطلق جيرار بومييه في كتابه Le dénouement d’une analyse من قلب المفارقة التي تشكل التجربة التحليلية: ما يبدو شفاءً قد لا يكون نهاية، وما يسقط من أعراض قد لا يفتح على الحرية بل على شيء أكثر التباسًا وخطورة. لا يتعامل بومييه مع العرض بوصفه مجرد خلل أو تشويش ينبغي إزالته، بل بوصفه عقدة، نقطة ربط دقيقة بين البنية والرغبة، بين الجسد والدال، بين الذات والفانتازم الذي ينظم وجودها دون أن تعيه. ومن هنا، فإن فهم العلاقة بين العرض والفانتازم هو المدخل لفهم ما يحدث حين “يتحسن” المريض: لماذا قد ينفتح فجأة على إنجازات غير متوقعة، أو على اندفاعات قد تكون مدمرة.في تصور بومييه، العرض ليس مجرد نتيجة للفانتازم، بل هو أيضًا ما يربطه ويثبّته. العرض هو شكل من أشكال الكتابة الجسدية أو السلوكية التي تمتص توتر الفانتازم، وتمنعه من أن يتحقق مباشرة في الواقع. إنه بمثابة جهاز تثبيط، لكنه ليس تثبيطًا سلبيًا فقط، بل تنظيمًا اقتصاديًا للمتعة. ما لا يمكن أن يُعاش أو يُمثل في الواقع يجد طريقه في العرض، فيتجسد كألم، كعائق، كتعطيل، كوسواس، كأعراض جسدية أو نفسية. ومن هنا تأتي المفارقة: العرض، رغم معاناته، يحمي الذات من شيء آخر، من مواجهة مباشرة مع الفانتازم.الفانتازم عند بومييه ليس خيالًا عابرًا، بل بنية. هو ما ينظم علاقة الذات بالموضوع، وما يمنح الرغبة اتجاهها، وما يحدد موقع الذات بالنسبة لما تفقده وتسعى إليه في آن. الفانتازم هو الإطار الذي يجعل الواقع قابلًا للتحمل، لأنه يفصل بين ما يُراد وما يمكن تحقيقه، بين الحلم والواقع. لكن هذا الإطار لا يكون واعيًا في العادة، بل يعمل في الخفاء، عبر العرض، عبر التكرار، عبر الأعراض التي تبدو بلا معنى لكنها في الحقيقة تحمل كتابة دقيقة لعلاقة الذات برغبتها.التحليل، كما يقدمه بومييه، لا يعمل على إزالة العرض مباشرة، بل على قراءة ما فيه من دلالة. عبر ما يسميه القراءة الحرفية للاشعور، وعبر القطع أو الـ scansion، ينكشف الرابط بين العرض والفانتازم. هذه اللحظة ليست مجرد فهم، بل تفكيك لعقدة. ما كان مربوطًا في العرض يبدأ في الانفصال. وهنا يحدث ما يسميه بومييه “تحرير العرض”، لكن هذا التحرير ليس محايدًا. إنه يحرر أيضًا الفانتازم الذي كان العرض يحتويه.عندما يسقط العرض، لا تختفي الطاقة التي كانت تغذيه. بل بالعكس، تتحرر. ما كان يُصرف في الجسد أو في التعطيل يصبح متاحًا للفعل. وهنا يظهر الوجه المزدوج لهذه اللحظة. من جهة، يبدو أن الشخص قد تحسن: يستطيع أن ينجز، أن يتحرك، أن يحقق ما كان معطلاً. قد ينجح في دراسته، في عمله، في علاقاته، قد يتزوج، ينجب، يبدع، يحقق طموحات طالما كانت مؤجلة. هذا هو الوجه الذي يجعل كثيرين يظنون أن التحليل قد انتهى، وأن الهدف قد تحقق.لكن بومييه يحذر من هذا الاستنتاج. لأن ما تحرر ليس فقط القدرة على الحياة، بل أيضًا الفانتازم الذي ينظم هذه الحياة. إذا لم يُبنَ الفانتازم ويُفسر، فإنه لا يختفي، بل يسعى إلى التحقق. وهنا تظهر إمكانية المرور إلى الفعل. الفانتازم الذي لم يعد العرض يحتويه يبحث عن قوام في الواقع. ما كان يُعاش كفكرة أو كصورة أو كوسواس قد يتحول إلى فعل، إلى مسرح حقيقي تُعاد فيه كتابة ما كان يجري في الخفاء.هذه اللحظة هي لحظة خطر، لكنها أيضًا لحظة كشف. لأن ما يظهر في الفعل ليس غريبًا عن الذات، بل هو أقصى حميميتها. بومييه يشير إلى أن تحقيق الفانتازم قد يؤدي إلى نوع من نزع الشخصنة: عندما يتطابق الفانتازم مع الواقع، ينهار الفرق الذي كان ينظم التجربة. يشعر الشخص أن ما يحدث “لا يخصه”، أو أنه يعيش مشهدًا كان دائمًا يتخيله لكنه الآن يراه يتحقق. هذا التداخل بين الحلم والواقع لا يمنح استقرارًا، بل قد يفتح على فراغ جديد، لأن الفانتازم لا يُشبع بتحققه، بل يُعاد تشغيله.في هذا الإطار، يمكن فهم ما يقوله لاكان عن رجل الجرذان بوصفه مثالًا سريريًا لما يشرحه بومييه على المستوى البنيوي. رجل الجرذان عند فرويد كان يعيش في شبكة كثيفة من الوساوس والطقوس، محكومًا بفانتازمات سادية معقدة تدور حول التعذيب والعقاب والدين والأب. هذه الفانتازمات لم تكن تُفعل مباشرة، بل كانت تُحتجز داخل العرض: في الوسواس، في التفكير القهري، في التردد، في الطقوس التي تعطل الفعل.عند لاكان، يُقرأ ما حدث لاحقًا لهذا المريض — دخوله إلى الجيش ومشاركته في القتل — ليس كخروج من المرض، بل كتفعيل للفانتازم. ما كان يُعاش كتمثيل داخلي أصبح يُعاش كفعل خارجي. يمكن هنا أن نرى بوضوح ما يقصده بومييه: العرض كان يحبس الفانتازم، وعندما ضعف هذا الحبس، تحرر الفانتازم واتجه إلى الواقع. الجيش، بوصفه مؤسسة تمنح الشرعية للعنف، وفر المسرح المناسب لتحقيق ما كان ممنوعًا في الحياة اليومية. الفانتازم لم يختف، بل وجد شكلاً “مقبولًا” ليتحقق.هذا المثال يكشف أن التحسن الظاهري قد يخفي استمرار البنية نفسها. رجل الجرذان لم يعد مشلولًا بالوسواس، لكنه لم يخرج من فانتازمه. بل بالعكس، صار قادرًا على تنفيذه. وهنا تظهر خطورة الاكتفاء بزوال العرض كمعيار للشفاء. لأن التحليل، في نظر بومييه، لا يهدف فقط إلى إزالة الأعراض، بل إلى نقل الذات من موقع التماهي مع الفانتازم إلى موقع معرفته وتفسيره.بومييه يميز بين تحرير الفانتازم وبنائه. التحرير يحدث عندما يسقط العرض، لكن البناء يتطلب عملًا إضافيًا: أن يُصاغ الفانتازم، أن يُكتب، أن يُرى بوصفه تركيبًا ينظم الرغبة، لا قدرًا يجب تحقيقه. التفسير، في النهاية، يمس موقع الذات من سبب رغبتها، من objet a الذي يحركها. دون هذا العمل، يبقى الشخص يدور في مدار الفانتازم، حتى لو تغيرت أشكال معاناته أو نجاحه.من هنا، فإن الإنجازات الهائلة التي قد تظهر بعد سقوط العرض ليست دليلًا بسيطًا على الصحة، بل قد تكون أيضًا تحققًا للفانتازم. وكذلك الأضرار الجسيمة ليست انحرافًا طارئًا، بل وجه آخر لنفس العملية. ما يتغير هو الشكل، لا البنية. الطاقة التي كانت معطلة تتحرك، لكنها تتحرك وفق نفس المنطق الذي كان يعمل سابقًا في الخفاء.التحليل، في نهايته كما يتصورها بومييه، لا يقف عند هذا الحد. النهاية ليست في أن “يعيش الشخص فانتازمه”، بل في أن يعبره، أن يرى حدوده، أن يدرك أنه ليس قدرًا يجب تحقيقه بل بناء يمكن تفكيكه. عند هذه النقطة فقط يمكن أن يُفك الربط بين الذات والفانتازم بوصفه حتمية. أما قبل ذلك، فإن سقوط العرض يفتح الباب لا على الحرية النهائية، بل على لحظة انتقالية قد تكون مليئة بالقوة، لكنها أيضًا مليئة بالمخاطر.بهذا المعنى، يقدم بومييه قراءة دقيقة لما يحدث في قلب العملية التحليلية: ليس الانتقال من المرض إلى الصحة، بل من شكل من أشكال تنظيم الرغبة إلى شكل آخر. وما يجعل هذه القراءة ذات قيمة خاصة هو أنها تكشف أن ما نعتبره تقدمًا قد يكون مجرد انتقال، وأن ما نخشاه كخطر قد يكون أيضًا لحظة كشف. بين العرض والفانتازم، بين التثبيط والفعل، تتحرك الذات، ولا يكون الخروج ممكنًا إلا حين تصبح هذه الحركة نفسها موضوع معرفة، لا مجرد قدر يُعاش.#د .جنى جلال# التحليل النفسي# مجلة ايليت فوتو ارت.


