أحمد إبراهيم الشريف
أعادت القرارات الأخيرة التى اتخذتها متاحف بريطانية بإخفاء مومياوات مصرية قديمة عن أنظار الزائرين، فتح ملف تاريخى يتعلق بكيفية خروج هذه الأجساد المحنطة من مصر ووصولها إلى المجموعات الأوروبية، خاصة أن بعضها استقر فى المتاحف منذ أكثر من قرنين، بعدما انتقل عبر طرق متعددة، شملت تجارة الآثار والهدايا الخاصة والحفائر العلمية، فى فترات شهدت تغيرًا كبيرًا فى التشريعات المنظمة لحماية التراث المصري، وهو ما يجعل تاريخ اقتناء كل مومياء عنصرًا أساسيًا فى تحديد وضعها القانونى الحالي.
وتوضح دراسة نشرها المتحف البريطانى ضمن كتاب “احترام الموتى: الرفات البشرية فى المتحف البريطاني”، للباحث جون إتش تايلور، أن تكوين مجموعته من المومياوات المصرية ارتبط بتطور أنشطة جمع الآثار والتنقيب عنها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأن الوثائق التى تسجل تاريخ انتقال بعض المومياوات إلى المتحف لا تزال غير مكتملة، الأمر الذى يطرح صعوبات عند محاولة تتبع أصولها وظروف اقتنائها.
أول مومياوات مصرية تصل إلى المتحف البريطاني
بدأ وجود المومياوات المصرية فى المتحف البريطانى مع تأسيسه عام 1753، عندما ضمت مجموعة الطبيب وجامع المقتنيات هانز سلون جسمًا ملفوفًا داخل تابوت خشبى مزخرف، تبين لاحقًا أنه تركيب غير أصيل بالكامل، استخدمت فيه عظام طائر أبى منجل وبقايا لفائف تحنيط قديمة.
وفى عام 1756، تلقى المتحف مومياوات مصرية حقيقية ضمن مقتنيات عائلة ليثيولييه البريطانية، وكانت إحدى هذه المومياوات قد جُلبت من مصر عام 1721، قبل أن تنتقل إلى المتحف ضمن مجموعة من الإهداءات.
وتكشف هذه الوقائع المبكرة عن دور المجموعات الخاصة والهدايا فى وصول المومياوات إلى المؤسسات الأوروبية، قبل انتشار الحفائر الأثرية المنظمة بالصورة التى عرفها القرن التاسع عشر.
المومياوات تتحول إلى عروض أمام الجمهور
شهد القرن التاسع عشر انتشار ظاهرة فك لفائف المومياوات المصرية أمام الجمهور فى بريطانيا، إذ أصبحت هذه الممارسات تقام داخل المنازل والقاعات العلمية والمسارح، بمشاركة أطباء وباحثين وأفراد من الطبقات الاجتماعية المهتمة بالآثار المصرية.
ووفق دراسة نشرها الباحث جابرييل موشينسكا فى المجلة البريطانية لتاريخ العلوم، اكتسبت هذه العروض شهرة واسعة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وارتبطت بالاهتمام المتزايد بالحضارة المصرية عقب فك رموز الكتابة الهيروغليفية عام 1822.
وبرز الطبيب البريطانى توماس جوزيف بيتيجرو بوصفه أحد أشهر من نظموا عروض فك لفائف المومياوات، وجمع بين دراسة الأجساد المحنطة وتقديمها أمام جمهور حضر لمشاهدة تفاصيل التحنيط والتعرف إلى ما تحتويه اللفائف.
وامتد الاهتمام بالمومياوات إلى المعارض الدولية، ومنها المعرض العالمى فى باريس عام 1867، الذى شهد عرضًا لفك لفائف مومياء ارتبط باسم عالم الآثار أوجوست مارييت.
مومياء أسرو تصل إلى مانشستر عام 1825
تمثل مومياء السيدة المصرية “أسرو”، التى قرر متحف مانشستر سحبها من العرض فى سبتمبر 2026، نموذجًا لانتقال الأجساد المحنطة إلى بريطانيا خلال القرن التاسع عشر.
فقد وصلت المومياء وتوابيتها إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعى عام 1825 عن طريق الإهداء، وأصبحت من أقدم المقتنيات المصرية المرتبطة بالمتحف.
وكانت أسرو منشدة للإله آمون فى معبد الكرنك، وتعود مومياؤها إلى نحو 2700 عام، وقد شهدت فك لفائفها أمام جمهور علمى فى مانشستر خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تصبح جزءًا من المعروضات المصرية التى استمر حضورها لعقود طويلة.
وتوضح قصة أسرو كيف انتقلت المومياوات من المجموعات الخاصة إلى المؤسسات العلمية، ثم إلى المتاحف العامة، مع تغير أساليب دراستها وعرضها بمرور الزمن.
محمد على يصدر أول قرار لحماية الآثار
بدأت الدولة المصرية خلال القرن التاسع عشر اتخاذ إجراءات للحد من خروج آثارها إلى الخارج، ففى 15 أغسطس 1835 أصدر محمد على باشا قرارًا بحظر تصدير الآثار المصرية والاتجار بها، مع تخصيص مكان لحفظ المقتنيات الأثرية فى القاهرة.
وتوضح وزارة السياحة والآثار أن هذا القرار شكل خطوة مبكرة فى تاريخ التشريعات الخاصة بحماية التراث المصري، بعدما شهدت العقود السابقة انتقال أعداد كبيرة من المقتنيات الأثرية إلى المجموعات الأجنبية.
وتواصل تطور التشريعات خلال النصف الثانى من القرن التاسع عشر، مع وضع قواعد لتنظيم أعمال الحفائر وتصدير القطع المكتشفة، لكن خروج الآثار المصرية إلى الخارج استمر عبر نظم وتراخيص مختلفة.
تقسيم الاكتشافات الأثرية يفتح طريقًا جديدًا لأوروبا
شهدت ثمانينيات القرن التاسع عشر توسعًا فى نظام «القسمة»، الذى سمح للبعثات الأجنبية بالحصول على حصة من الاكتشافات الأثرية وفق ترتيبات مع مصلحة الآثار المصرية.
وتوثق جامعة أكسفورد، فى مشروع “آثار الحفائر”، الدور الذى أداه عالم الآثار البريطانى فلندرز بترى فى التوصل إلى ترتيبات مع جاستون ماسبيرو، المسؤول عن مصلحة الآثار، أتاحت توزيع أجزاء من مكتشفات البعثات على مؤسسات أجنبية.
وكانت المقتنيات تعرض أولًا على المتحف المصرى لاختيار ما يحتاج إليه، ثم يُسمح بتوزيع جزء من الباقى وفق القواعد المعمول بها آنذاك، وهو ما أسهم فى انتقال أعداد كبيرة من القطع الأثرية إلى متاحف بريطانيا وغيرها.
وقد جرى ذلك فى سياق سياسى شهد الاحتلال البريطانى لمصر منذ عام 1882، وهو ما يجعل التمييز ضروريًا بين وجود سند قانونى لتصدير قطعة أثرية فى وقتها، وبين النقاش التاريخى حول توازن القوى الذى أحاط بوضع تلك القواعد.
قوانين جديدة تنهى خروج الآثار المصرية
تواصل تنظيم حماية الآثار المصرية خلال القرن العشرين، فصدر القانون رقم 14 لسنة 1912، ثم القانون رقم 215 لسنة 1951، وصولًا إلى القانون رقم 117 لسنة 1983 بشأن حماية الآثار، الذى أنهى نظام تقسيم المكتشفات الأثرية بين مصر والبعثات الأجنبية.
وتكشف هذه المراحل أن المومياوات المصرية الموجودة فى أوروبا انتقلت خلال فترات قانونية مختلفة، وهو ما يستدعى دراسة تاريخ كل مومياء ووثائق اقتنائها على حدة، سواء خرجت عن طريق الشراء أو الإهداء أو الحفائر أو بطرق مخالفة للقوانين السارية وقتها.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة مع إعادة فتح ملف استرداد المومياوات المصرية، لأن تحديد كيفية خروج الرفات من مصر يمثل الخطوة الأولى لفهم وضعها القانوني، وتقييم فرص إعادتها إلى موطنها الأصلي.
******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت


