كيف تعاطى رولان بترت مع مفهوم التناص ..؟

مفهوم التناص وتداخل النصوص عند بارت

عندما يمسك الكاتب بقلمه ليسطر جملة يعتقد أنها بكرٌ لم يسبقه إليها أحد، فإنه في الواقع، ومن حيث لا يدري، يعيد إنتاج أصواتٍ، وقواميس، واقتباساتٍ سحيقة سكنت وعيه. هذه الاستحالة الفلسفية للابتكار المطلق هي الجوهر الذي يستند إليه واحد من أهم المفاهيم النقدية الحديثة: مفهوم “التناص” (Intertextuality)، الذي تبلور ونضج بشكل عميق في التحليلات البنيوية، لا سيما لدى الفيلسوف رولان بارت.

ظهر مصطلح “التناص” أول مرة في أواخر الستينيات على يد الباحثة جوليا كريستيفا، استناداً إلى أفكار المفكر الروسي ميخائيل باختين حول “حوارية” اللغة. لكن رولان بارت التقط هذا المفهوم ومنحه أبعاداً فلسفية أوسع. وفقاً لبارت، لا يوجد نص أدبي يقف كجزيرة معزولة أو يُعد خلقاً نقياً من العدم. كل نص هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وهو امتصاص وتحويل لنصوص أخرى سابقة عليه أو معاصرة له. النص، بهذا المعنى، هو فضاء متعدد الأبعاد تتقاطع فيه أصوات وكتابات متنوعة، تتصادم أو تتناغم، دون أن يكون لأي منها السيادة المطلقة.

المُقاربة البارتيّة للتناص تختلف جذرياً عن الدراسات الكلاسيكية التي كانت تبحث في “مصادر” الكاتب أو “المؤثرات” التي خضع لها (كأن يقال إن الكاتب فلان تأثر بالشاعر فلان). التناص عند بارت ليس عملية سرقة أدبية، ولا هو محاكاة واعية أو استشهاد متعمد يضعه الكاتب بين أقواس. بل هو أعمق من ذلك بكثير؛ إنه “شرط وجود” لأي نص. التناص هو ذلك الضجيج الثقافي المجهول، هو الشظايا، والصيغ اللغوية، والأساطير، والهياكل السردية التي تطفو في الهواء الثقافي العام، وتتسلل إلى جسد العمل الأدبي دون أن تترك بصمة واضحة لمرجعيتها الأصلية. إنه تداخل لا واعٍ لشبكة ضخمة من الرموز.

يؤدي هذا المفهوم وظيفة هدمية للمركزيات التقليدية. فمن خلال التناص، يتم القضاء على أسطورة “المؤلف العبقري” الذي يخلق المعاني من فراغ، ليصبح المؤلف مجرد “مُجَمِّع” أو نقطة التقاء لنصوص سابقة. كما أن التناص يلغي فكرة “النص المغلق”، ليجعل من الأدب الإنساني كله بمثابة نسيج واحد كبير لا نهاية له، يحيل كل جزء منه إلى الأجزاء الأخرى في حركة لا تتوقف.

ختاماً، يمكن القول إن مفهوم التناص أعاد تعريف فعل “الكتابة” ليكون في جوهره فعل “إعادة قراءة” مستمرة. لقد جرد النص من كبريائه الفردي ليعيده إلى الحاضنة الكبرى للتاريخ البشري واللغة، مؤكداً أننا لا نكتب بالكلمات التي نبتكرها، بل بالكلمات التي ورثناها والمُثقلة بأصوات من سبقونا.

التناص #رولان بارت #النقدالأدبي#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم