“مزرعة الحيوان”. تلك الحكاية التي تبدأ بـ “يا للروعة، سنحكم أنفسنا” وتنتهي بـ “الخنازير تشبه البشر، والبشر يشبهون الخنازير، ولا أحد يستطيع التمييز”.دعنا نقصها لك كما لو كنا نجلس في حانة ريفية، نرمم جراحنا من قبضة “السيد جونز” الذي لا يجيد سوى شرب الويسكي وضرب الحيوانات.،،،
البداية: خطاب وهمي …يبدأ المسرح بسيد عجوز اسمه الخنزير القديم ميجور، يلقي خطبة تاريخية يشرح فيها نظرية “البؤس الاستغلالي”. الحيوانات، في غبائها الجميل، تظن أن المشكلة تكمن في السيد جونز وليس في فكرة السلطة ذاتها. يموت ميجور بعد أيام (ذكاء منه، لأنه تفادى رؤية نهاية المسرحية)، تاركًا إرثًا من الشعارات الجميلة.الانقلاب: كلنا متساوونتثور الحيوانات، تطرد جونز، وتعلن قيام “مزرعة الحيوان”. في البداية، الأمر أشبه بمعسكر صيفي اشتراكي فاشل: الخنزير سنوبول (الذي يشبه أستاذ جامعي مهووس بالخطط الهندسية) يريد بناء طاحونة هواء لرفاهية الجميع. الخنزير نابليون (وهو صامت، قبيح، ويمتلك جيوشًا من الكلاب الضالة) ينتظر فقط اللحظة المناسبة.اللحظة المناسبة تأتي عندما يطلق نابليون كلابه المدربة على سنوبول ليطرده خارج المزرعة. من هنا تبدأ “الكوميديا السوداء” الحقيقية.السلطة: القانون يُعاد صياغته يتحول “نابليون” تدريجيًا إلى نسخة من السيد جونز، لكن مع شهادات جامعية في الكذب. يقلب الوصايا السبع التي كتبوها في البداية.· وصايا كانت تقول: “لا حيوان يشرب الزهورات · أصبحت: “لا حيوان يشرب الزهورات بإفراط”.· ثم أصبحت: “لا حيوان يشرب الزهورات إلا بترخيص”.· ثم أصبحت في النهاية: “كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر تساويًا من الآخر”.. ثم شعار الأكثر تداولاً … يعيش ذو القوائم الأربعة ويسقط ذو القائمتين … 😂وهنا تكمن الدلالة الخفية: الثورة لا تفشل لأن أعداءها أقوياء، بل لأن قادتها يكتشفون بسرعة أن “كرسي السلطة” أكثر راحة من “مبادئ الثورة”.الشخصيات تحت المجهر (بطريقة ساخرة):· نابليون (الخنزير): البطل القومي الذي لا يخطئ أبدًا. إذا فشلت الطاحونة، فهذا خطأ سنوبول العميل. إذا انهار سقف الحظيرة، فهذا مؤامرة من سنوبول. إذا ماتت الدجاجات جوعًا، فهي ضحت بنفسها طواعية من أجل الخطة الخماسية. نابليون لا يعرف أن يخطئ، كل ما يفعله هو “تعديل المسار”. في النهاية، يمشي على قدمين، ويدخن الغليون، ويعقد صفقات مع البشر، ويصبح مزارعًا عاديًا، لكن مع فرق واحد: الخنازير السابقة كانت تتنعم بالسلطة، أما الآن فالخنازير تتنعم بالسلطة والمحاسبة الفورية (أي لا محاسبة).· سنوبول (الخنزير المنفي): العدو اللدود، المهندس المعماري المطرود. بعد رحيله، أصبح اسمه مرادفًا للخيانة والفشل والتخريب. المشكلة أن الحيوانات تنسى بسرعة أنه هو من علمهم حروف الأبجدية، ويظلون يعتقدون أنه كان يخرب الطاحونة بقدميه الخلفيتين رغم أنه كان في الجانب الآخر من البلاد. سنوبول هو نموذج المثقف الثوري الذي يُستغل ثم يُطرد عندما لا تعود الحاجة إليه.· بوكسر (الحصان): المسكين الذي يؤمن أن “العمل سينقذنا”. كلما زادت الأزمات، قال: “سأعمل بجد أكبر”. يعمل حتى ينهار جسده. وعندما ينهار، لا يرسله نابليون إلى الطبيب البيطري، بل إلى تاجر الخيول ليبيعه، فيشتري الخنازير علب ويسكي إضافية. بوكسر هو أي إنسان بسيط يعتقد أن التعب سينتج عنه عدالة، لكنه ينتج عنه فقط “شاحنة نقل خيول” ورثاء قصير في الجريدة الرسمية للمزرعة.· بنيامين (الحمار): أكثر شخصية محببة في الرواية. إنه متشائم، عجوز، يقرأ، ويعرف أن كل شيء سيء، لكنه لا يفعل شيئًا سوى التبسم بطريقة ساخرة. بنجامين هو المثقف الساخر الذي يكتفي بقول “قلت لكم من البداية” ولا يحرك ساكنًا. إنه رمز أولئك الذين يرون الحقيقة بوضوح لكنهم لا يمتلكون الشجاعة لقلب الطاولة.· سكويلر (الخنزير الدعائي): وزير الإعلام. لو كان موجودًا في عصرنا، لكان مديرًا لوكالة أنباء أو وزيرًا للثقافة. كل خبر سيئ يُحول إلى خبر جيد. عندما تقل الحصص الغذائية، يقول: “الحصص زادت بنسبة 200%”. عندما يُكسر القانون، يقول: “نحن نحرر القانون من عبوديته القديمة”. سكويلر هو نموذج اللغة التي تقول العكس تمامًا مما تراه العيون.· مولي (الحصان الأبيض): المغنية المتجمّلة. تفر من المزرعة لأنها تريد السكر وشرائط الزينة. تمثل البرجوازية الصغيرة التي لا تعبأ بالثورات، تريد فقط متعها الخاصة. في النهاية، تظهر في نافذة حانة يجرها إنسان، وهي سعيدة.المعاني المخفية والإسقاطات:أورويل لم يكتب قصة حيوانات، بل كتب دليل مستخدم للاستبداد.الرواية تخبرك أن الثورة لا تُقتل بالرصاص فقط، بل تُقتل باللغة.تخبرك أن الجهل هو أعظم حليف للطاغية. الحيوانات لا تستطيع التمييز بين سنوبول ونابليون إلا بعد أن يكون الأوان قد فات.تخبرك أن الخوف أداة إدارة أسهل من الحب.وأخيرًا، تخبرك أن السلطة لا تغير الطباع، بل تكشفها. الخنازير لم تتحول إلى مستبدين لأنهم خنازير، بل لأنهم وجدوا فرصة لأن يكونوا مستبدين.النهاية:بعد سنوات من الجوع، والعمل القسري، والكلاب المسلحة، تجلس الخنازير مع البشر في حفلة عشاء. الحيوانات تنظر من النافذة، لا تستطيع أن تفرق بين وجه الخنزير ووجه الإنسان. تُغلق الوصايا السبع نهائيًا، وتُكتب وصية واحدة: “كل الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر تساويًا من غيرها”.تنظر الحيوانات من الخنزير إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الخنزير، ثم تنظر إلى الحائط… ثم تعود إلى العمل.العبرة:إذا لم تكن أنت من يقرأ الكتاب، فستكون أنت من يعيش فيه … R-A# المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.


